نشامى الاخباري _ فارس الحكيمي/المغرب
نعيش حاليا في زمن أصبح فيه مقام الإنسان مرهونا بما يجنيه من مال لا بما يملكه من مستوى تعليمي وثقافي، فالمال أصبح يخفي العيوب بل و يحولها إلى محاسن كما قال بن أبي طالب “يغطي عيوب المرء كثرة ماله”. فأصبح الوضيع في الدنيا كريما، والجاهل عالما، ونسبت الرفعة والسيادة لمن ليست له سيادة حتى على نفسه فما بالك بقومه.
وساهم الفقر والحالة التي أصبحت عليها البلاد بسبب غلاء أسعار والمحروقات في تفشي مجموعة من الظواهر على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت من مواقع للتواصل الى ايقونة للفساد والرعونة، فلا تكاد تمر ساعة واحدة الا وقد شاهدت عددا لا يحصى من مقاطع الفيديو القصيرة ذات محتوى مخل بالحياء.
*مشروع العصر*
قبل مدة كان الثراء مقرونا بفئة معينة من المجتمع، إما ورثت هذا الثراء أبا عن جد، أو عن يعمد شخص ما إلى خلق مشروعه الخاصة، يجعل منه غنيا، بعد ان يبذل الكثير من والوقت والجهد، ويعوض عدة خسائر قبل أن يقف على عتبة الثراء.
أما اليوم فأصبحنا نرى وجوها جديدة في الساحة تدعي النجاح وتحقيق الذات لتنضم إلى علية القوم ممن يجنون الملايين، ولا يجنونها في شهر او ايام بل في ساعات قليلة، فالارباح التي تراكمها بعض الشركات الرائدة في مجال الطباعة أو بيع مواد معينة خلال عام؛ يجنيها بعض ممتهني التسول على مواقع التواصل الاجتماعي في شهر واحد دون بذل أي عناء، والسر كله كامن في مشروع العصر “كبسو كبسو”.
*التفاهة مقابل المال*
لم تعد لدى الشباب العربي القدرة على الصبر، فأصبح يبحث عن مصادر أخرى تدر عليه المال دون عناء، ليلتجأ إلى إطلاق بثوث مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد إطلاق هذه الأخيرة خاصية إرسال هدايا عبارة عن أيقونات كالقبعة أو الوردة أو الأسد، تضم كل واحدة منها مبلغ من المال، يرسلها أصحابها بسخاء مقابل رقصة على المباشر، او إظهار المفاتن.
ولم يقتصر الأمر على الفتيات فقط بل تعداه الى الذكور ذوات الدم البارد عديمي المسؤلية، وأيضا رجال ونساء كبار في السن، كانت تبدوا عليهم ملامح الإحترام والوقار، قبل أن يتضح أن هدفهم هو جمع أكبر عدد اللايكات وتحويلها الى أموال، غير آبهين بنظرة الناس إليهم، يتنافسون في تقديم محتويات كل حسب مواهبه الجسدية وما جادت به عليه أفكاره الشاذة، كالقيام بالتحديات غريبة، وممارسة نفس الحركات لأطول فترة ممكنة، أو طلاء الجسم بالدقيق أو أي مادة لأجل إثارة ضحك المشاهدين. بينما تعمد نساء اخريات إلى لبس ملابس شبه شفافة مع القيام بحركات مثيرة، قصد إغراء المكبوتين من الذكور لأجل إرسال الهدايا.
وفي الجهة المقابلة يسعى البعض إلى التفكير خارج الصندوق، فقد عمد شخص إلى إطلاق بث مباشر من داخل الحمام مع صب الماء على نفسه و ترديد عبارة “انا سمكة، انا سمكة”، في حين ألصقت نظيرته مقلاة على رأسها مرددة عبارة”انا مقلاة، انا مقلاة”.
*ما المقابل؟*
قد يتسائل القارئ عن كمية الأرباح التي يجنيها هولاء الناس مقابل كل هذا؟
مما لا شك فيه أن الأرباح تفوق الخيال والا لما عمدوا إلى كل هذه الفضائح. و تتعدى الأرباح عتبة آلاف الدولارات في بث مباشر واحد. وسبق واعلنت إحدى مستعملات تطبيق البث المباشر _تيك توك _ في المغرب أنها جنت خلال بث واحد دام مدة ساعتين حوالي 35 مليون سنتيم(حوالي 34 الف دولار)، فيما صرح طرف آخر أنه تحصل على مايزيد عن 15 مليون سنتيم(حوالي 14 دولار) خلال جلسة بث ليوم واحد. في حين أن أدنى مبلغ قد يحصل عليه الفرد هو 5000 الاف درهم(500 دولار)، فكلما كنت بلا كرامة وعفة و جريئا في المحتوى الذي تقدمه زادت أرباحك. ولا ننسى أن الفتيات يتفوقن على الذكور في مسألة مراكمة الأرباح، كون أن المشاهد يفضل متابعة فتاة ودعمها على دعم الذكر لحاجة في نفسه.
*منابر العهر*
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي التي توفر خاصية البث المباشر تستخدم لغير ما صنعت لأجله ، وبمباركة الآباء وأولياء الأمور. حيث أصبحت منابر للجهر بمختلف المعاصي الدينية والدنيوية، فأصبحنا نشاهد أما تعرض مفاتن إبنتها البكر للعامة دون استحياء تتاجر بها قصد جلب المزيد من الهدايا. ورجل وزوجته يتوددان إلى بعضهما في فراش الزوجية على مرأى من الملأ، وشخص آخر يطلق بث مباشر يمارس فيه كل انواع الكهنوت والشعوذة ويدعي للناس إطلاعه على الغيب، ومن بعده يعلن إلحاده وارتداده عن الدين الاسلامي، بل ويناقش اصل الوجود وينكر وجود الخالق ويهاجم كل من يعارض أفكاره بالسب والشتم.
*إساءة إلى الدين الاسلامي*
ان ما يزيد الطين بلة هو لجوء بعد النساء لتغطية وجوههن بالبرقع أو الحجاب، في حين يظل جسدهم شبه عاري تظهر مفاتنهن، يتمايلن ويرقصن، يتوسلن من المتابعين إرسال الهدايا مقابل القيام بحركات جنسية أكثر على المباشر أو في الخاص. بل وحتى الرجال يطلقون البث على مواقع التواصل الاجتماعي بلحاهم الغزيرة وملابسهم المعروفة بين المسلمين والسبحة في اليد، مع الرقص أو الغناء أو حتى التحدث مع فتاة شبه عارية على الهواء مباشرة. وهذا يترك انطباع لدى أعداء الإسلام وإشاعة فكرة أن جميع النساء والذكور في الإسلام هم على هذه الشاكلة، يبعيون دينهم مقابل دراهم معدودة.
*أطفال في عمر الزهور*
كشفت دراسات حديثة قامت بها مجموعة الصحة النفسية البريطانية عام 2019 أن أكثر من 90% من المراهقين يستخدمون برامج التواصل الاجتماعي يومياً، وأن أغلب مستخدمي تطبيقات التواصل الاجتماعي فيس بوك والتيك توك، مراهقين لم يتجاوزوا 16 سنة. بحيث يعمدون الى التحايل على أسئلة شروط الاستخدام المتعلقة بتحديد السن القانوني للإستخدام الا وهو 18سنة.
ولازالت هذه التطبيقات ضعيفة من ناحية تفعيل خاصية التأكد من العمر، مما يجعل هذه الفئة معرضة لعملية التغرير من طرف اشخاص يمتهنون عملية الإتجارة في البشر لصالح فئة مجهولة تعرض مبالغ مالية نظير إشباع رغباتها المكبوتة، مستغلة ضعفهم وحاجتهم للمال، متسترة خلف أسماء مستعارة تحميها من المتابعة القضائية بتهمة الإستغلال والإبتزاز الجنسي للأطفال في عمر الزهور.
وفي هذا الصدد دعت كثير من الهيئات المعنية والمنظمات العربية والدولية إلى تشديد المراقبة على الأطفال من قبل الوالدين، وعلى وجه الخصوص الشق المتعلق باستعمال التطبيقات المعلنة سلفا دون التقيد بشروط السن المحددة. حيث إن التنشئة السليمة تحول دون تغول هذه التطبيقات في نفوس الأطفال وبالتالي حمايتهم في المستقبل.