نشامى الاخباري _ ماجد عبنده
كانت الساعة تقارب الثالثة بعد الظهر وانا ما زلت في مختبر الأسمدة والذي يعود للدكتور سيد خطاري في كلية الزراعة بالجامعة الاردنية ، طرق عليَّ الباب شخصان اسمران ودخلا بابتسامة عريضة . وقفت مصدوما ؛ هذا صالح !! كيف جاء ؟ وكيف وصلني ؟ وكيف عرف مكاني ؟ .
صالح عثمان ادريساي هو زميلي بقسم التربة في كلية الزراعة بجامعة بغداد . وكذلك زميلي في القسم الداخلي لا بل في نفس الغرفة . صالح من اريتيريا التي كانت تحتلها اثيوبيا في تلك الأثناء وقد غادر مع عائلته بلاده لاجئاً الى بور سودان . ومن هناك غادرها الى بغداد . حينها كانت الثورة الاريتيرية تشتعل لتحرير البلاد من المحتل الاثيوبي . كنا حينها نظن انه عند تحرير اريتيريا ستنضم الى جامعة الدول العربية ويضاف علم جديد الى أعلامها البائسة ، لكن الاريتيرين آثروا الا يضيفوا الى مآسينا مأساة جديدة فرفضوا اعتبار أنفسهم عربا واجبروا مصممي خرائط الوطن العربي على تعديلها وحذف القطعة الواصلة بين جيبوتي والسودان والتي تلتصق بالبحر الأحمر .
بالعودة للقاء مع صالح الذي تم بعد عامين من الفراق ؛قال لي : انه بعد تخرجي قبله بسنة عاش غربة قاسية وعانى الوحدة بالرغم من وجود العشرات من الاريتيريين والسودانيين والعراقيين وغيرهم حوله ، ذلك انني وصالح كنا متفاهمين كثيرا بالرغم من اختلاف اللون والمنشأ والثقافة . لأجل ما سبق فقد قرر صالح السفر الى الاردن ليراني ، لم يكن صالح يملك الا رقم هاتف منزل اهلي (الارضي) في اربد لكنه اصطحب معه احد أصدقائه وقررا السفر . السفارة الاردنية في بغداد لم تمنحهما فيزا زيارة لكن قيل لهما بامكانكم عبور الاردن (ترانزيت) الى دولة أخرى غير العراق ، فوافقا على المحاولة مع ان مدة الترانزيت ٢٤ ساعة فقط . توجه الاثنان الى محطة الباصات المتجهة إلى عمان مساءً ووصلا عمان في صباح اليوم التالي . المشكلة ان صالح يزور عمان لأول مرة في حياته ويبحث عن صديق لا يعرف اين يجده ومعه فقط ٢٤ ساعة ليغادر البلاد . من أحد المحلات اتصل صالح بالرقم الارضي فرد عليه والدي قال له : اريد ماجد انا صديقه وقد جئت من بغداد . قال له والدي : ماجد في عمان في الجامعة الاردنية بكلية الزراعة . مر وقت طويل لكي يعرف صالح كيف يذهب للجامعة وكيف سيجدني ، لكنه قرر المضي بالمحاولة اليائسة . وصل الجامعة سأل عن الكلية ، وصلها ، سأل عن قسم التربة ، وصله ، سأل عني قيل له ها هو (بكل بساطة) . لم يكن من عادتي التأخر في المختبر الى تلك الساعة الا انني تأخرت يومها بإرادة ربانية لالقى صالح ولا تضيع رحلته سدى . تجولنا في الجامعة الأردنية وأخذنا بعض الصور ثم اخذتهما الى عمان لنتعشى ، اخذنا حافلة من الجامعة إلى العبدلي وهناك وقفنا ننتظر السرفيس لننزل الى البلد ، حينها نظر صالح خلفه فرأى عددا من الاشخاص يصطفون ينتظرون السرفيس ، قال لي : ما هذا؟ قلت : ينتظرون مثلنا . قال : ماجد ، انت متأكد انكم عرباً ؟ . ضحكنا وركبنا السرفيس وتجولنا في وسط عمان وتعشينا في احد مطاعمها الى ان قاربت الساعة العاشرة قال لي : لا بد من الوداع فقد حانت ساعة المغادرة وعلينا ان نغادر الى سوريا نمكث فيها أياما ثم نعود إلى الاردن ونغادره الى العراق . ودعتهما وقلبي لا يطاوعني فانا لم اشبع من هذا اللقاء السريع وفي نفس الوقت لا اريد ان اسبب لهما حرجا او مسؤولية . عمر هذا اللقاء ٣٦ عاما ولم يتكرر بسبب الصعوبات في تنقل العرب بين بلادهم العربية . غادر بعدها صالح إلى السعودية وعمل في إحدى الصحف حتى الان .