نشامى الاخباري _ ماجد عبنده
يوم الجمعة ٣ /١٢ / ١٩٨٢ استيقظت من النوم في السكن الداخلي للطلاب في الجامعة المستنصرية ببغداد و تناولت الافطار ثم تجهزت لصلاة الجمعة . سألت الشباب عن أقرب جامع فارشدوني الى جامع في الوزيرية قرب إتحاد الطلبة الاردنيين . ركبت الحافلة ونزلت أمام الجامع الواقع على الشارع الرئيسي لقد كان جامع مصطفى العاني . كانت تلك اول صلاة جمعة لي في بغداد . أحسست بعدها بالأطمئان والسكينة فجوامع بغداد لا تختلف كثيرا عن جوامعنا الا انك تلاحظ المستوى العلمي الرفيع لخطيب الجمعة واللغة العربية الفصيحة التي يلقي بها الخطبة .
عندما ذهبت الى ابي غريب حيث كلية الزراعة لم يكن فيها الا مصلى في مدخل الكلية تقام فيه بعض الصلوات الفردية والجماعات احيانا فكنت اذهب كل جمعة الى قرية ابي غريب لاصلي في جامعها والذي كان يقع في الجانب الجنوبي منها كان الخطيب شابا بالاربعين قوي الحجة جهوري الصوت الا انني وجدت فيه ضعفا بالعلم الشرعي والفقه .
لم يكن لنا عطلة أسبوعية الا يوم الجمعة فكنت اقضيها عادة في بغداد اذهب إلى الاتحاد لتناول الغداء والذي كان عادة مقلوبة او منسف الا انني احرص على اداء صلاة الجمعة في احد الجوامع في طريقي لاتعرف اكثر عليها وعلى أهلها.
في علاوي الحلة (مجمع السفريات) كان هنالك جامع جميل يدعى جامع الحاج بنية علمت فيما بعد ان من بناة هو الحاج عبدالوهاب بنية وهو تاجر من تجار بغداد توفي قبل إنهاء الجامع فدفنه اولاده في ساحته ويوجد فيه قاعة كبيرة لاقامة الاحتفالات الدينية ومناسبات العزاء وهذا الأمر انتشر في معظم الجوامع الجديدة ببغداد .
كانت جوامع بغداد دافئة بالشتاء وبارده في الصيف فالعراقيون لا يبخلون بالصرف على جوامعهم وكانوا يضعون في الشتاء ستارة غليظة على الباب الرئيس المفتوح لتقي المصلين من البرد وفي صيف بغداد اللاهب يستخدمون المبردات الصحراوية الكبيرة لتجعل المسجد مكانا رائعا للصلاة بخشوع وسكينة .
من الجوامع التي لفتت انتباهي كثيرا جامع ام الطبول الذي بنته الحكومة العراقية عام ١٩٦٨ في طريق المطار وهو مبني بطريقة مختلفة عن جوامع بغداد التقليدية من حيث القباب والمئذنة فهو أقرب لنمط الجوامع المصرية .
عندما دخلت الجامع في صلاة الجمعة لاحظت ان النساء تشارك الرجال الدخول من نفس المدخل الشرقي ثم تتجه الى اليمين والرجال الى اليسار والجميع يصلون في المصلى الرئيس مما يذكرك بالصلاة في الحرم المكي . وفي داخل الجامع تبهرك الأقواس والاعمدة التي تشبه الحرم المدني وجامع قرطبة . حقا لقد أحببت الصلاة فيه لما له من عراقة وجمال .
في تجوالي المستمر أسبوعيا في وسط بغداد التجارى وخاصة شارع السعدون كنت اصلي في جامع الاورفةلي في بداية السعدون من الجهة الشمالية وهو جامع صغير من عدة طوابق تفتح يوم الجمعة للمصلين ، في احدى الجمع الصيفية صليت على سطح الجامع الخالي من السجاد ولكم ان تتخيلوا الموقف . كان في جامع الاورفةلي منطقة مخصصة في باحة الجامع للأخوة الشيعة يصلون فيها فرادى ولم يكن هذا المشهد مستهجنا في تلك الفترة فقد كنا نصلي في مساجد الشيعة بكل حرية . فقد دخلت مسجدا في منطقة الزعفرانية (شرق بغداد) لاصلي ظانا انه جامع سني لكني لاحظت القماش الأسود يغطي المنبر و رأيت (التُرَب) التي يصلون عليها ، الا ان الشيخ الموجود بالمسجد رحب بي وتعرف علي بكل ود ولطف فاديت صلاتي وخرجت .
في شارع الرشيد وبجانب الأسواق المركزية كان جامع العادلية الكبير وهو جامع اثري صليت فيه مرة واحدة لكنه أغلق للصيانه والمحافظة عليه فقد لاحظت الكثير من تأثير عوامل الزمن على بنية الجامع .
في عام ١٩٨٦ وعندما قدم والديَّ (رحمهما الله) لبغداد لحضور حفل تخرجي وقد اسكنتهما في البتاويين في شارع السعدون ، وفي يوم الجمعة رافقت ابي لحضور الصلاة في أعظم جوامع بغداد ذلك انه بدء ببنائه في عهد الملك غازي وانتهى في عهد عبدالكريم قاسم وبدأت فيه الصلاة في عهد عبد السلام عارف وكان هو الشاهد على سقوط بغداد عام ٢٠٠٣ ، لذلك تغير اسمه تبعا لتلك العهود المختلفة الا انه استقر اخيرا على اسم (١٧ رمضان) ذكرى معركة بدر الكبرى . كان خطيب تلك الجمعة عالما من علماء بغداد المرموقين فقد تكلم بكل فصاحة وقوة لم يذكر حديثا الا ذكر سنده ومن رواه ، ولم يذكر حكما الا ذكر أراء العلماء المختلفة ورجح ما يراه ، سعدت وابي بتلك الخطبة وعدنا إلى أمي التي اعدت لنا منسفا دعينا اليه الزملاء واستمتعنا باللقاء .