مقالات

عبنده يكتب: في الطريق من العراق

نشامى الاخباري_ مدونة ماجد عبندة

في اوائل عام 2000 م نظمت لجنة دعم العراق في نقابة المهندسين الزراعيين رحلة نقابية إلى بغداد ترأسها رئيس اللجنة حين ذاك الدكتور راضي الطراونة ، كنا حوالي ثلاثين شخصا من مختلف المحافظات ومن مختلف التخصصات الا ان اكثرنا مهندسون زراعيون كان العراق حينها يعيش حالة الحصار الظالم الذي فرضه التحالف الثلاثيني المجرم والذي كانت تقوده أمريكا.

قضينا في شيراتون بغداد أياما من أجمل الايام بالرغم من كل الدمار والاسى والضائقة المالية التي كان يعيشها العراقيون . زرنا في تلك الرحلة أماكن مختلفة في بغداد وتوجهنا إلى الجنوب حيث زرنا بابل وكربلاء والنجف ثم زرنا سامراء في الشمال .

عندما حان موعد عودتنا إلى الوطن ودعنا بغداد على أمل العودة اليها ثانية . ركبنا في الحافلة ويممنا نحو الغرب حاملين معنا من الذكريات اجملها ومن التمور اطيبها .

عندما وصلنا إلى المنطقة الممتدة بين مركز الرطبة (الحدود القديمة) و مركز طريبيل (الحدود الجديدة) توقفت الحافلة واشتعلت في محركها النيران فاوقفها السائق وراح يتفقدها فايقن انها لن توصلنا على اي حال جلسنا في اماكننا طالبين من السائق ان يبقي التدفئة لان جو الصحراء كان باردا جدا لكنه لم يستطع الاستمرار في تشغيل الحافلة فنزلنا منها هائمين على وجوهنا لا ندري ماذا نفعل ، كان السائق يعطي الإشارة لكل حافلة او شاحنة او سيارة تمر بالطريق للطلب منهم إيصال رسالة لشركة النقليات

في بغداد للاسراع بإرسال حافلة بديلة ورافعة مناسبة لنقل الحافلة المصابة .
مرت عدة سيارات وعدة حافلات وكلهم يعرضون المساعدة ويتطوعون بنقل بعض الركاب حسب السعة التي يملكونها ، وبالفعل مع مرور الوقت ببطء شديد ايقن العديد منا ان المبيت بالصحراء لا بد واقع فاستقلوا الحافلات والسيارات فرادى وجماعات وكان اولهم الزميلات والآنسات .

بدأ الجوع يتسلل إلى اجوافنا وصارت المعدة تقرصنا فقد انتهى مفعول التشريب الذي التهمناه في مطعم على الطريق ولم يعد هنالك اثر لافطارات الفندق المنوعة ولا الأكلات اللذيذة التي تناولناها في الكرادة والاعظمية فكل ذلك انتهى مما اضطرنا إلى التوجه إلى الحقائب لنبدأ بالتمور والبسكويت وقليلا من الكعك والخبز الا ان هذا لم يسكت معداتنا .

البرد الشديد الذي كان يلفنا لم نستطع تحمله فبرد الصحراء قاس و (يقص المسمار) وخاصة اننا في شباط ، اقترح احد الزملاء ان نشعل نارا فوافقناه وبدأنا بالبحث عن شيء نشعله وجدنا بعض النباتات الجافة لكنها لا تكفي .

عندها حدث شيء غير متوقع مجموعة من السيارات العسكرية العراقية (اظنها ثلاث) تحيط بالحافلة وينزل منها جنود مسلحون ليستفسروا عن مشكلنا ولماذا نحن هنا هرعنا إليهم نرحب بهم ونحكي لهم قصتنا ، قالوا : سنعمل ما بوسعنا . غادرت سيارتان وبقيت سيارة لحراستنا . عندما عادت السيارتان كان معهما صيدا ثمينا كان عبارة عن اطارين كبيرين من الاطارات التالفة للشاحنات . رموا الإطار الاول بيننا ورشوا عليه الوقود واعطوه شعلة النار حتى صار دائرة ملتهبة ، تحولقنا حول النار حتى نشعر بالدفء بدأنا بالجوفية والدحية والتي كان ترافقها الاغاني الشعبية من اربد والسلط والكرك .

لم ينم احد منا تلك الليلة فالبرد شديد والدفء الذي تلقاه من الإطار المشتعل لا تستفيد منه إلا الجهة المقابلة للإطار اما الجهة المعاكسة فقد كانت تعاني من التجمد لذلك لا بد لك من ان تدور كسيخ الشاورما
لتشعر جسمك كله بالدفء .

في وسط تلك الصحراء التي يعاني أهلها من الفاقة وجنودها من النقص في كل شيء ، كان الأمان موجود فقد بقي الجنود العراقيون بقربنا طوال الليل حتى أشرقت الشمس وظهر الصباح حينها ودعونا وغادروا مطمئنين .

مع بداية اليوم الثاني من مغامرة النوم في الصحراء بدأت فعاليات جديدة فقد قام عدد من الزملاء برسم لوحات كبيرة بالحجارة لتخليد تلك الحادثة وبدأ الشباب يتناولون اخر ما لديهم من طعام وتمور وماء بانتظار الفرج والذي اتانا عصرا بوصول الحافلة البديلة التي ركبناها متوجهين إلى عمان مرورا بطريبيل وحدود الكرامة حينها تنفسنا الصعداء بانتهاء هذه الازمة التي كان العامل الرئيسي في تجاوزها موقف نشامى الجيش العراقي والذي عمل على حمايتنا طوال الليل من اللصوص وقطاع الطريق الذين كانوا كثيرين في تلك الفترة .

 

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *