مقالات

الجزائر وريادة تحلية مياه البحر: نحو أمن مائي مستدام

نشامى الاخباري_ بسمة جباري

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وشح الموارد المائية التقليدية، أصبحت تحلية مياه البحر خيارًا استراتيجيًا للجزائر لضمان أمنها المائي. وتعد البلاد اليوم واحدة من الدول الرائدة في هذا المجال على مستوى إفريقيا والمنطقة المتوسطية، حيث وضعت خطة طموحة لتوسيع مشاريع التحلية وتعزيز استقلالها المائي. ومع ارتفاع الطلب على المياه بسبب النمو السكاني والتوسع العمراني، تتبنى الجزائر استثمارات ضخمة لتطوير بنيتها التحتية في هذا القطاع، مدعومة بأحدث التقنيات والشراكات الدولية.

التحلية كخيار استراتيجي لمواجهة أزمة المياه

تعتمد الجزائر تاريخيًا على الموارد المائية التقليدية، مثل الأنهار والسدود والمياه الجوفية، إلا أن هذه المصادر أصبحت غير كافية، خاصة في ظل انخفاض معدل تساقط الأمطار وارتفاع معدلات الجفاف. وتشير الدراسات إلى أن الجزائر تحتل المرتبة 29 ضمن قائمة الدول التي تعاني من فقر المياه ، مما دفع السلطات إلى البحث عن حلول بديلة، وعلى رأسها تحلية مياه البحر، التي أصبحت تمثل أكثر من 17% من إجمالي إمدادات المياه في البلاد.

ولم يكن خيار التحلية مجرد استجابة ظرفية، بل أصبح جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تهدف إلى جعل الجزائر تعتمد بشكل متزايد على المياه المحلاة، وتقليل الضغط على الموارد الطبيعية الأخرى.

الاستثمارات الضخمة في محطات التحلية

انطلقت الجزائر في هذا المسار منذ أكثر من عقدين، حيث أنشأت 11 محطة لتحلية مياه البحر، موزعة على عدة ولايات ساحلية، بطاقة إنتاجية إجمالية تفوق 2.5 مليون متر مكعب يوميًا. وقد ساهمت هذه المحطات في تخفيف أزمة المياه، خصوصًا في المدن الكبرى مثل الجزائر العاصمة، وهران، وعنابة.

وفي إطار تسريع وتيرة الإنجازات، أعلنت السلطات الجزائرية عن مشروع لإنشاء ستة محطات جديدة في كل من تلمسان و مستغانم و تيزي وزو و الشلف و جيجل و سكيكدة باستثمارات فاقت 3 ملايير دولار وتستهدف هذه المشاريع رفع نسبة المياه المحلاة إلى 60% من إجمالي الاستهلاك الوطني بحلول عام 2030. و بهذا الاستثمار ترتفع حصة الجزائر من المياه المستمدة من البحر الأبيض المتوسط من 18 % الى 42 % مايزيد اجمالي امدادات المياه المحلاة في البلاد من 2.2 مليون متر مكعب يوميا الى 3.7 مليون متر مكعب يوميا

التكنولوجيا المتقدمة في محطات التحلية

تعتمد الجزائر في محطاتها على تقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis)، التي أثبتت فعاليتها من حيث تقليل استهلاك الطاقة، وخفض تكاليف التشغيل، وضمان جودة المياه المنتجة. كما أن الدولة تعمل على إدماج الطاقات المتجددة في تشغيل بعض المحطات، بهدف تقليل الأثر البيئي وتعزيز الاستدامة. وبفضل هذه التقنية ستعزز من قدرة الجزائر الوطنية على تحلية المياه الى 5.8 مليون متر مكعب يوميا .ومن بين المشاريع الطموحة في هذا الصدد، هناك توجه لإنشاء محطات تحلية تعمل بالطاقة الشمسية، ما يمثل خطوة كبيرة نحو تحقيق التنمية المستدامة في قطاع المياه.
عملية التطوير من تحلية مياه البحر في الجزائر تتم باستخدام الخبرات المحلية هذا مايعزز في المقابل من السيادة الوطنية على البنية التحتية الحيوية للمياه التي اصبح إنجازها و تسييرها من طرف كفاءات وطنية بالإضافة الى مجموعة تعاونات دولية في هذا المجال .

التحديات التي تواجه مشاريع التحلية

رغم النجاحات التي تحققت، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه مشاريع تحلية مياه البحر في الجزائر، من أبرزها:
1. التكاليف المرتفعة: رغم انخفاض تكاليف التحلية عالميًا، إلا أنها لا تزال تشكل عبئًا ماليًا، خصوصًا فيما يتعلق بصيانة المحطات وتشغيلها.
2. تأثير التحلية على البيئة: تصريف المحلول الملحي الناتج عن عمليات التحلية في البحر قد يؤثر على البيئة البحرية، مما يستدعي تطبيق إجراءات صارمة للتقليل من الأضرار البيئية.
3. الحاجة إلى تطوير شبكات التوزيع: رغم توفر المياه المحلاة، إلا أن مشاكل شبكة التوزيع قد تعيق وصولها بكفاءة إلى جميع المناطق، ما يتطلب استثمارات إضافية في البنية التحتية.

آفاق مستقبلية واعدة

بالنظر إلى التوجهات الحالية، فإن الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ ريادتها في مجال تحلية المياه و تموقعها ك “قائدة” في مجال الامن المائي في منطقة شمال افريقيا ، حيث تواصل تعزيز قدراتها من خلال الشراكات مع الشركات الدولية الرائدة، وتوظيف أحدث الابتكارات التكنولوجية، وتوسيع محطاتها لتغطية المزيد من الولايات. هذا مايؤهلها لمعالجة تحديات ندرة المياه الفورية ووضع الأساس من اجل التكيف على المدى الطويل مع التغييرات المناخية

ومع اقتراب موعد تحقيق الأهداف المسطرة في خطة 2030، يمكن القول إن الجزائر باتت نموذجًا ناجحًا في إفريقيا والعالم العربي في تبني استراتيجية مستدامة لضمان الأمن المائي، ما يجعلها في طليعة الدول التي تعتمد على تحلية المياه كحل فعال للتحديات المناخية والمائية.

في ظل تفاقم أزمة المياه عالميًا، تبرز تجربة الجزائر في تحلية مياه البحر كقصة نجاح تستحق المتابعة. فمن خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة، واستثمارات طويلة الأمد، والتزام حكومي قوي، استطاعت الجزائر أن تصبح رائدة في هذا المجال، وتضع نفسها في موقع يضمن لها أمنًا مائيًا مستدامًا للأجيال القادمة.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *