
معشر اللقمانيين… اتقوا الله في أنفسكم أولًا
نشامى الاخباري _ محمد مطلب المجالي
ما أكثر الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الناس، يوزعون المواعظ، ويرفعون رايات الفضيلة، ويتحدثون وكأنهم لا يخطئون ولا يعرفون زللًا، وكأنهم امتلكوا مفاتيح الحكم على الخلق.
يا معشر اللقمانيين… هونوا عليكم، واتركوا عباد الله في حالهم، وانشغلوا بإصلاح أنفسكم قبل أن تنشغلوا بإصلاح الآخرين. فمن اشتغل بعيوب نفسه ضاق وقته عن تتبع عيوب الناس.
لقد أنعم الله على عباده بنعمة الستر، فمن ستره الله فليحمده، ولا يجعل من هذا الستر منبرًا للوعظ أو وسيلة للتعالي على الآخرين. فلو تكلم الستر، لاختفى كثيرون عن الأنظار، ولكن رحمة الله سبقت، والله ستير يحب الستر.
ويُروى في كتب التراث أن مسيلمة، بعد أن ادعى النبوة، قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه: “لِمَ لا تتبعني يا عمرو؟” فقال له: “يا مسيلمة، والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذاب.” وسواء صحت الرواية بكل تفاصيلها أم لم تصح، فإن معناها يحمل حكمة بالغة؛ فصاحب الباطل يعرف حقيقة نفسه قبل أن يعرفها الناس.
ومن عجائب بعض الناس أنهم يرون القشة في عيون الآخرين، ولا يرون ما هو أكبر في أنفسهم، فينصبون أنفسهم قضاة وواعظين، ويتناسون أن الإنسان مهما بلغ يبقى بشرًا يخطئ ويصيب.
وقد قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
إن الحكمة ليست بكثرة الكلام، ولا برفع الصوت بالمواعظ، وإنما بصدق السيرة، وحسن الخلق، ومحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين.
فدعوا عباد الله لرب العباد، وخففوا من الوصاية على الناس، وابدؤوا بإصلاح ما بينكم وبين الله، فمن عرف قدر نفسه تواضع، ومن عرف عيوبه انشغل بإصلاحها.
وكما قيل:
وكلك عيوبٌ وللناسِ ألسنُ
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةُ
ولكن عينَ السخطِ تُبدي المساويا
فلا تجعلوا من عيوب الآخرين سلّمًا للصعود، ولا من نعمة الستر سببًا للغرور، فخير الناس من شغله عيبه عن عيوب غيره.




