مقالات

فلسطين… عقيدة أمة لا جغرافيا نزاع

نشامى الاخباري _ محمد مطلب المجالي

ليست فلسطين سطراً في كتاب الجغرافيا، ولا ملفاً سياسياً يُفتح ويُغلق وفق موازين المصالح، بل هي عقيدةٌ راسخة في وجدان أمة، ومعنىً يتجاوز الحدود والخرائط. ومن يظن أنّها قضية الفلسطينيين وحدهم، إنما يختزل التاريخ، ويغفل عن عمق الارتباط الذي يجعل منها قضية العرب والمسلمين جميعاً.
إنّ ارتباط الأمة بفلسطين ارتباطٌ وجداني وعقدي، يتجذر في الإيمان، ويستمد حضوره من مكانة القدس والمسجد الأقصى في قلوب المؤمنين. هو ارتباط لا يخضع للحسابات السياسية، ولا يُقاس بمعايير الربح والخسارة، بل هو جزء من هوية الأمة وذاكرتها ووعيها الجمعي.
وفي المقابل، فإنّ ارتباط الفلسطيني بأرضه هو ارتباط الجذر بالأرض، ارتباط الإنسان الذي اقتُلع من وطنه، وطُرد من بيته، وسُلب حقه في الحياة على ترابٍ وُلد فيه وعاش عليه. هو ارتباط الوجود والمصير، الذي لا يمكن فصله أو التقليل من شأنه.
وهنا تكمن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: إنّ هذين الارتباطين لا يتعارضان، بل يتكاملان. فالقضية الفلسطينية ليست جغرافيا فحسب، ولا عقيدة مجردة، بل هي امتزاج المعنى بالمكان، والتاريخ بالإنسان.
غير أنّ ما نشهده اليوم من محاولات لتقزيم القضية، وحصرها في إطارٍ ضيق، ليس بريئاً في كثير من الأحيان. فاختزال فلسطين إلى نزاعٍ جغرافي، هو خطوة أولى في مسارٍ طويل يستهدف تفريغها من مضمونها، وتمهيد الطريق أمام مشاريع التطبيع، عبر تحويلها إلى قضية قابلة للتفاوض، لا ثابتا من ثوابت الأمة.
والأخطر من ذلك، أنّ الأمة اليوم لا تواجه عدواً واحداً فحسب، بل مخططين متوازيين؛ مشروعاً احتلالياً واضحاً يسعى إلى فرض واقع بالقوة، ومشروعاً آخر يتسلل عبر الخطاب، يلبس عباءة النصرة، بينما يعمل على تفكيك الوعي، وإعادة تشكيل المفاهيم بما يخدم أجنداته.
هذا المشروع المتخفي لا يقل خطورة، لأنه يستهدف المعنى قبل الأرض، ويضرب في عمق الثوابت، ويحاول إعادة تعريف المقدسات، أو التشكيك في دلالاتها، أو توظيفها لخدمة خطابٍ لا يضع القدس في مركز أولوياته، وإن رفعها شعاراً.
إنّ العبث بالمفاهيم العقدية، أو محاولة نقلها من سياقها التاريخي والديني، هو انحراف خطير، لأنّ ما لا يُحرس بالعقيدة، يسهل التفريط به في السياسة. وإذا ضاع المعنى، ضاعت القضية، حتى وإن بقيت الأرض عنواناً لها.
من هنا، فإنّ المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي. معركةٌ بين من يحفظ القضية في معناها الكامل، ومن يسعى إلى تفريغها من روحها، وتحويلها إلى ملفٍ قابل للإغلاق.
إنّ حماية فلسطين لا تكون فقط بدعم صمود أهلها، بل أيضاً بصون حقيقتها، والحفاظ على بعدها العقدي والوجداني من التشويه أو التبسيط أو التحريف. فالقضية التي تُختزل، يسهل التفريط بها، والقضية التي تُحفظ في الوجدان، تبقى عصيّة على التصفية.
ونرى… أن فلسطين، ما بقي في الأمة نبض، ستظل عقيدةً لا تُساوَم، وقضيةً لا تُقزَّم، وهويةً لا تختزلها حدود.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *