مقالات

درس في التعايش لن تقرأه في كتاب

نشامى الاخباري _  محمد محيسن

قبل ما يزيد عن عشرين عاما، عملت في صحيفة “الحرية”، الصحيفة الأسبوعية المعنية بحقوق الإنسان، التي كان يرأس تحريرها الراحل الدكتور موسى الأزرعي.
في ذلك الزمن، كان للصحافة طعم آخر، طعم تفوح منه رائحة الحبر والورق، وتختلط فيه صعوبة العمل بفرحة الإنجاز.
فقد كان صدور العدد الورقي أشبه بفرحة العيد، ننتظر أن تقع أعيننا على اسمنا وعنوان مقالاتنا، وأن نرى كلماتنا وقد وجدت طريقها إلى الصفحة الأولى، لتصبح جزءا من حكاية أسبوع جديد.
كانت الأيام صعبة، وكانت الصحيفة، شأنها شأن الكثير من الصحف الأسبوعية آنذاك، تعاني ضائقة مالية قاسية، تسببت في توقف صدورها أكثر من مرة. لكن ما بقي في ذاكرتي من تلك المرحلة لم يكن العسر وحده، ولا الأزمات التي كانت تحاصر الصحيفة، بل تجربة إنسانية استثنائية جمعتني بالدكتور موسى الأزرعي.
أمضيت أكثر من ستة أشهر أعمل معه، وأجلس إلى جواره، وأشاركه تفاصيل العمل اليومي، من دون أن أعرف أنه ينتمي إلى الطائفة المسيحية الكريمة.
مر شهر رمضان، وكان الدكتور موسى يمتنع عن التدخين خلال نهاره، رغم ولعه الشديد بالسجائر. لم يخطر ببالي يومها أن أسأل عن ديانته، ولم تكن المسألة تشغلني أصلا فقد كنت أراه زميلًا وأستاذا وصديقًا، تجمعني به الصحافة وهموم الوطن وقضايا الناس.
عرفت أنه مسيحي حين توفيت زوجته، وكانت مراسم تشييعها في كنيسة في جبل اللويبدة. يومها فوجئت، لا لأن في الأمر ما يستدعي الدهشة، بل لأنني اكتشفت أنني أمضيت كل تلك الأشهر إلى جانب رجل لم أحتج يوما إلى معرفة ديانته كي أعرفه.
كان اكتشافًا بسيطا في ظاهره، لكنه ترك في داخلي سؤالا ظل يتردد مع السنوات: كم من الحواجز التي نبنيها في أذهاننا تسقط، لو أننا منحنا الإنسان فرصة أن نعرفه كما هو.
كانت غرفة التحرير تكاد تختنق من رائحة السجائر، لكنها كانت تمتلئ أيضا بضحكات الدكتور موسى المجلجلة، وبسخريته اللاذعة من واقع العالم العربي. ولم تكن سخريته مجرد وسيلة للتندر أو الهروب من مرارة الواقع، بل كانت تعبيرا عن وجع رجل أحب عروبته، وظل وفيا لقناعاته النضالية ورؤيته الثورية، وعشقه العميق لفلسطين وقضيتها.
وأذكر، في هذا السياق، نقاشا دار بيني وبينه حول دور الفاتيكان. كنت أتبنى موقفًا من مسألة تبرئة اليهود من دم المسيح، وأرى في ذلك خطيئة تاريخية كبرى.
استمع إلي الدكتور موسى بصدر رحب، ثم حاول أن يوضح وجهة نظره، مميزا بين اليهود المعاصرين والمسؤولية عن أحداث تاريخية مضت.
بقيت متمسكا برأيي، ولم يتخل هو عن رأيه، لكن شيئًا لم يتغير بيننا. لم يغضب، ولم يحاول أن يفرض علي قناعته، انتهى الحوار، وبقيت المودة ، وعندما ابلغته ان ان الغرب سرق شخصية المسيح وافقني الراي بل ضحك من عماق قلبه قائلا لقد سرقوا من الكثير.
اليوم، كلما استعدت تلك اللحظات، أدركت أن قيمة التجربة لم تكن في أننا اتفقنا، بل في أننا اختلفنا من دون أن نفقد احترامنا لبعضنا بعضا.
حين أستعيد تجربتي مع الدكتور موسى الأزرعي، لا أفعل ذلك بدافع الحنين وحده، ولا لأروي حكاية شخصية من زمن الصحافة الورقية. إنني أستعيدها لأن بعض التجارب الإنسانية تظل قادرة على إضاءة الحاضر، خصوصا حين تتعرض قيم التعايش والطمأنينة بين أبناء المجتمع الواحد للاختبار.
ومن هنا، تعود الذاكرة إلى ما جرى في كنيسة حمود بالكرك، وما أثارته الحادثة من أسئلة مؤلمة حول أمن دور العبادة، وحرمة المقدسات، ومعنى أن يشعر كل مواطن بأن دينه وكرامته وحقه في ممارسة شعائره مصونة.
فالكنيسة ليست مجرد جدران وأجراس ومقاعد للصلاة، كما أن المسجد ليس مجرد مئذنة وقبة. كلاهما مكان للعبادة، وجزء من ذاكرة الناس وحياتهم وحقهم في الإيمان. وأي اعتداء على مكان للعبادة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه اعتداءً على جماعة دينية وحدها، بل بوصفه مساسا بأمان المجتمع كله.
لا أستحضر هذه الحادثة لأقارن بين الالم الشخصي والأحداث العامة، ولا لأحمل واقعة بعينها أكثر مما تحتمل، بل لأقول إن التعايش لا يُقاس فقط بما نتبادله من عبارات المحبة في الأيام العادية، وإنما بما نفعله عندما يتعرض الآخر للخوف أو الإهانة أو الاعتداء.
تعلمت من تجربتي مع الدكتور موسى أن العلاقة الإنسانية الصادقة لا تحتاج إلى أن نكون متشابهين في كل شيء. يكفي أن نؤمن بأن كرامة الإنسان ليست موضع تفاوض، وأن المواطنة ليست منة يمنحها طرف لطرف، بل حق يشارك فيه الجميع.
في بلد مثل الأردن، تشكلت هويته عبر قرون من التعدد والتجاور، ليست حماية هذا المعنى ترفا ثقافيا ولا شعارا موسميا. إنها مسؤولية أخلاقية ووطنية.
كان الدكتور موسى مسيحيا، وكنت أنا مسلمًا، لكن هذه الحقيقة لم تكن يوما حاجزا بيننا. لم أكن أحتاج إلى أن أغير ديني كي أقترب منه، ولم يكن هو بحاجة إلى أن يتخلى عن هويته كي يكون قريبا مني.
ولعل أجمل ما في تلك التجربة أنني لم أتعلم التعايش من محاضرة أو كتاب، بل من تفاصيل صغيرة: زميل يفسح المجال لرأي مخالف، ورئيس تحرير يحتمل الاختلاف، ورجل يواصل التعامل معك بالمودة حتى عندما لا تتفقان.
رحم الله الدكتور موسى الأزرعي، فقد ترك درسا إنسانيا لا يزال صالحا لهذا الزمن، وربما نحن اليوم أحوج ما نكون إليه: أن نختلف، نعم، لكن ألا نسمح للاختلاف بأن ينتزع منا إنسانيتنا.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *