
ما بين الخبر وفهمه
نشامى الاخباري _ أسيل عبندة
لم تعد غرف الأخبار مكانًا يُنقل فيه الحدث فقط، بل غدت ميدانًا تتقاطع فيه التطورات وتتجاذب فيه الأفكار، بين عقلٍ بشري يُفكك الوقائع ويبحث عن دلالاتها، وآلةٍ تُنتج آلاف الكلمات، بل وتصوغ منها مقالاتٍ في موضوعاتٍ شتّى خلال لحظاتٍ وجيزة. لكن، هل تكفي القدرة على إنتاج النصوص ليُصبح الذكاء الاصطناعي مُدركًا لمعنى كتابة الخبر؟
عندما يُكتب الخبر، فإنه يُمزج بحسٍّ إنساني، لا سيّما في قراءة الشارع وكشف الستار عن الوقائع. وهذا ما يفتقده الذكاء الاصطناعي؛ فهو قادر على معالجة المعلومات، لكنه لا يمتلك وعيَ السياق كما يدركه الإنسان. وبين تسجيل الحدث وفهمه مسافةٌ لا تُقطع إلا بالوعي. فالصحافة الحقيقية لا تبحث عمّا وقع فحسب، بل عن مسبباته، والأطراف المتأثرة به، والمصالح الكامنة خلفه، وما يستحق أن يُقال وما ينبغي أن يبقى في موضع السؤال.
وممّا لا شك فيه، أنّه لا ينبغي في عصرنا الحالي رفض الذكاء الاصطناعي رفضًا قطعيًا، فامتيازاته تكاد تتجاوز ما اعتاده الإنسان من أدوات البحث والتحليل، وأصبح أداةً تُسهم في الوصول السريع إلى المعلومات بوتيرةٍ يصعب على الإنسان مجاراتها. غير أنّ هذه السرعة لا تُغني عن الفهم العميق لما يجري خلف الكواليس من دوافعٍ وملابسات؛ فهو لا يعدو كونه أداةً تُستخدم لرصد المستجدات، يعلم ماذا حدث، لكنه لا يُدرك لماذا حدث. ولعلّ المنافسة لم تعد بين الصحفي والذكاء الاصطناعي، بل بين صحفيٍّ يُحسن توظيفه، وآخر يستسلم لمخرجاته. ومن هنا، فإن الاعتماد المطلق عليه يُصبح كسلاحٍ ذي حدين؛ إذ قد يُفضي إلى اتكالِ العقل، وخفوتِ الحسّ الصحفي.
وبذلك، فإن القدرة على إنتاج النصوص لا تُعدّ التحدي الحقيقي، بل الحفاظ على جوهر المهنة دون انجراف مبادئها. فالمستقبل لا يرفض التطور، لكنه لا يقبل أيضًا تسليم زمام المعرفة لأداةٍ إذا غابت عنها حدود الاستخدام. فالصحفي لا يُقاس بقدرته على صياغة الجمل، بل بقدرته على طرح الأسئلة العميقة، والبحث عن أصواتٍ لا تجد طريقها إلى المنابر، وربط الوقائع بسياقاتها.
وعليه، أضحت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والصحافة اختبارًا جديدًا لمفهوم المهنة ذاتها. فالآلة قد تُسهم في إنتاج الخبر وتسريع الوصول إلى المعلومات، لكنها لا تُدرك قيمة ما تُنتجه، ولا تتحمل مسؤولية أثره. ويبقى الوعي الصحفي الفارق الحقيقي؛ فهو الذي يجعل من الذكاء الاصطناعي يدًا تُعينه، لا عقلًا بديلًا.



