
عيون الرقابة
نشامى الاخباري _ أسيل عبندة
باتت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً يُحاكي المواقف عن بُعد، تُطلق فيه الأحكام دون النظر إلى الخصمين، وتتقلّب فيه الروايات حتى تتحول النقاشات إلى قراءاتٍ تتجاوز حدود الشاشة، لتغدو أشبه بالشارع العام؛ بما تحمله من تأثيرٍ في الرأي وتشكيلٍ له. وهنا يبرز دور الحكومة أمام فضاءٍ لا يمكن تركه بلا تشريعات، ولا إخضاعه لرقابةٍ تتخذ من الحماية والتنظيم ذريعةً لحجب الأصوات؛ فبين تنظيم الفضاء وحماية حرية القول، صراطٌ لا بدّ من اجتيازه لتحديد حدود الرقابة.
الرقابة عملةٌ ذات وجهين؛ فامتلاك الفرد قدرةً على النشر والتواصل لا يعني غياب المسؤولية، لا سيّما عندما يتجاوز الرأي حدود الاختلاف متحولًا إلى تحريضٍ أو إقصاء، أو يتحول الخطاب إلى أداةٍ تروّج لمعلوماتٍ مضللة تكاد تؤثر في صناعة القرارات الفردية والمجتمعية. وهنا يتمثل دور الحكومة في النظر إلى ما قيل وتبعاته، لا في محاسبة القول لمجرد صدوره.
وعند وضع حدودٍ تذود المجتمع عن الضرر دون المساس بحق الاختلاف، تظل الجهة المعنيّة ليست بمنأى عن الزلل في تقدير الضرر؛ فقد تتحول الرقابة إلى مقياسٍ لمدى موافقتها للسياسات القائمة أو الخطاب الرسمي، ليضيق الخناق وتضيق مساحة النقد. فقد تُصنَّف دعوةٌ سلمية إلى تعديل قانونٍ ما على أنها “تحريض” لأنها خالفت الرؤية العامة؛ حينئذٍ لا تعود المشكلة في وجود الرقابة، بل في العين التي تحدد ما يستحق.
وبغياب الوعي، أصبح الفضاء الرقمي ساحةً تتحرك فيها حساباتٌ وروبوتاتٌ ممنهجة، يُستغل بعضها لإثارة الفتنة والتعدي. وهنا يجب بالضرورة وضع حدٍّ واضحٍ للمحتوى الممنهج، لا يتصل بتقييد الرأي، وإنما بقمع ما يُصنع بقصد التشويه وإثارة القلاقل. فحين يتحول هذا الفضاء من أداةٍ للتعبير إلى وسيلةٍ لتوجيه العداء وصناعة الانقسام، لا يعود الأمر داخل بنود الرأي وتقبّل الآخر.
يقع على عاتق الحكومة ضبط هذا المجال، ولكن هذه المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، بل تمتد إلى المنصات نفسها التي لا تقف على مسافةٍ واحدة من المحتوى، إذ تتحكم خوارزمياتها في ما تدفعه إلى الواجهة وما تهمّشه، وقد تجعل المحتوى المريب أسرع انتشارًا من المحتوى الأكثر صدقًا. وهنا تتغير معايير الرقابة؛ فالمشكلة لا تبدأ من منشورٍ كُتب، بل من نظامٍ قرر أن يروّجه، والمنصات تمتلك مفاتيح الوصول إلى الجمهور، فلا تنتهي المساءلة عند محض الإجابة، لأن جذور المشكلة تمتد إلى السؤال: ما الذي قرر أن يسمعه الجميع؟
أصبحت المشكلة لا بمقدار ما نراقبه، بقدر ما نعيه؛ فكلما عجز المجتمع عن التمييز بين الخبر والتضليل، زاد اعتماده على الرقابة بدل قدرته على التمييز. وهنا لا يتمثل دور الحكومة في جعل هذا المجال خاليًا من التجاوزات، بقدر ما يتمثل في تهيئة بيئةٍ يستطيع فيها المواطن أن يمارس حقه في إبداء الرأي دون أن يتحول الاختلاف إلى تجريم، وأن يواجه التضليل بالوعي. فالمجتمع الذي يتعوّد أن يسلّم قراره للرقابة، يفقد تدريجيًا قدرته على إماطة اللثام عن الحقائق؛ لتصبح الرقابة، بدل أن تحمي وعيه، بديلًا عنه.




