مقالات

حتى الرشفة الأخيرة

نشامى الاخباري _ محمد محيسن

بعد أن أمضوا سنوات طويلة في مواقع القرار، يخرج بعض المسؤولين من المشهد ليكتشفوا فجأة كل ما كان فيه من خلل. يتحولون بين ليلة وضحاها إلى محللين، ونقاد، وحراس للمصلحة العامة، يوزعون الاتهامات ويقدمون الوصفات لإنقاذ واقع كانوا شركاء في صناعته، أو على الأقل في ترسيخه.
المفارقة ليست في حقهم في مراجعة التجربة، فمراجعة الذات فضيلة، وإنما في غياب الاعتراف بالمسؤولية. فمن شارك في صناعة السياسات، أو صمت عنها، لا يستطيع أن يتحدث عنها وكأنه كان مجرد متفرج. كثيرون منهم كانوا جزءًا من منظومة رسمت ملامح الحاضر بكل ما فيه من نجاحات وإخفاقات، وأسهمت في إنشاء مؤسسات وقوانين ما زلنا نعيش آثارها حتى اليوم.
بمجرد أن تنتهي ولايتهم، تتبدل المواقع وتتغير اللغة. ضابط متقاعد يقود الاحتجاجات، ووزير سابق يهاجم قرارات كان من أشد المدافعين عنها، وخبير اقتصادي ينتقد اتفاقيات سبق أن بشر بها، ومخططون استراتيجيون تلاحقهم سجلات من الإخفاقات يملؤون الشاشات بالتحليلات والخطط، وتربويون يتحدثون بحرقة عن تراجع التعليم بعد أن كانوا جزءًا من إدارته، أو من صناعة سياساته.
اليوم لم تعد الفضائيات وحدها هي المنصة. فقد أضيف إليها فضاء رقمي واسع؛ حسابات موثقة، وبودكاست، ومنصات فيديو، ومساحات حوار، يصنع فيها بعض المسؤولين السابقين لأنفسهم صورة جديدة، وكأن ذاكرتنا الجمعية قصيرة إلى الحد الذي يسمح بإعادة تقديم الماضي بثوب مختلف.
ليس المطلوب أن يصمت المسؤول السابق، بل على العكس، فخبرته قد تكون ذات قيمة إذا جاءت مقرونة بالنقد الذاتي، والاعتراف بالأخطاء، وكشف ما لم يكن ممكنًا كشفه أثناء وجوده في المنصب. أما أن يتحول إلى معارض شرس لكل ما كان يدافع عنه بالأمس، دون كلمة واحدة عن دوره فيما آلت إليه الأمور، فذلك لا يعد مراجعة، بل إعادة تموضع.
لقد منحت وسائل الإعلام التقليدية والرقمية بعض هؤلاء فرصة جديدة للظهور، بينما منحت الجمهور في المقابل فرصة أوسع للمقارنة واستحضار الذاكرة. فلم يعد من السهل طي صفحات الماضي، أو إعادة كتابة التاريخ بمجرد ظهور إعلامي ناجح أو سلسلة من التغريدات الرنانة.
ينطبق على كثير من هؤلاء قول الله تعالى: ﴿حَتّىٰ إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعونِ * لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا فيما تَرَكتُ ۚ كَلّا ۚ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ “لمؤمنون: 99-100
ليست المشكلة في الرغبة بالإصلاح، وإنما في تأجيلها إلى ما بعد فوات أوانها او انتهاء صلاحيتها ، او استخدامها لتبرير مواقف سابقة .
سيظل بعضهم يحاول العودة إلى المشهد، ولو من نافذة التعليق والتحليل، آملاً في استعادة بريق سلطة غابت، أو نفوذ تراجع، أو كرسي لم يعد له. لكن الحقيقة أن الجمهور لا يبحث عن خطب جديدة، بل عن شجاعة الاعتراف، وعن مسؤول يتحمل نصيبه من التاريخ قبل أن يطالب الآخرين بتحمل مسؤولية الحاضر.
وربما لهذا كله، يظل بعضهم يلاحق المشهد السياسي والإعلامي… حتى الرشفة الأخيرة من الكأس.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *