
مقالات
عبندة يكتب: شخصيات في الذاكرة.. محمد مصطفى جلبوش
نشامى الاخباري _ مدونة ماجد عبندة
في الشهر الاخير من عام ١٩٩٥ أخبرني “ابو طارق” ان موقع عملي سيكون في مركز دير علا للبحوث الزراعية ، كانت دير علا بالنسبة لي اسما جديدا بالرغم من انني مررت بها سابقا لكنني لم ازرها ، قال لي “عيد” (الذي كان ينجز عملا رسميا مع ابي طارق) : ان كنت تسكن اربد فان باص المركز يأتي بالموظفين يوميا من اربد ويعود بهم بعد الدوام ، شكرته على هذه المعلومة وغادرت .
في صباح اليوم التالي توجهت لمجمع الاغوار في اربد وركبت في حافلة متوسطة مكتوب عليها (اربد الاغوار دير علا الصوالحة) تحركت الحافلة ومرت بكل مناطق الغور التي اعرفها والتي لا أعرفها ووقف السائق مرات عديدة ليأخذ ركابا وينزل اخرين . نزلت أمام محطة دير علا الزراعية وهو الاسم الذي يعرفه الجميع قبل ان تكون مديرية زراعة او مركزا للبحوث .
سألت عن مدير المركز فقيل لي هو في الطابق الثاني ، دخلت عليه وسلمت فرد السلام بطيبة وتواضع وقال لي تفضل ، ناولته أوراقي فقال : اهلا وسهلا ، نحن بحاجة لك والمختبر بانتظارك .
ارشدني إلى مكتبي بمعية الدكتور وليد القواسمي و المهندس حسام الدين نجم رحمهما الله ولكنه اضاف : ان باص اربد بالصيانة وعليك أن تأمن نفسك بالمواصلات لحين تصليحه ، شكرته وغادرت الى مكتبي .
عملت بجد واجتهاد خلال العام الاول من الوظيفة واستطعت الارتقاء بمختبر التربة في دير علا ليصبح الثاني بعد المختبر الرئيسي ، كان المهندس محمد جلبوش مدير المركز يزورني في المختبر ويتابع انجازاتي ويشجعني على المضي في هذا التميز . كان العديد من الزملاء ينصحوني بقولهم : “لا تشد على حالك كثير” ، ” الي بحما بسرعة ببرد بسرعة” إلا انني لم استمع لاحد ، واستمريت في عملي وإنجازي مستفيدا من كل الزملاء من مهندسين وفنيين وعمال حتى أتت نهاية العام حين استدعاني ابو الرائد لاوقع على التقرير السنوي (ممتاز) شكرته على تقديره لعملي ، لكنه قال انك تستحق اكثر من ذلك ، وبالرغم من بعض الاعتراضات من هنا وهناك حيث ادعوا انه لا يجوز لموظف ان يأخذ ممتاز من سنته الاولى لكن ابا الرائد كان مقتنعا بها وثبتها لا بل منحني ممتازا اخر في نهاية العام ١٩٩٧ مما اهلني لأخذ الجدارة وهي زيادة سنوية اضافية .
في بداية عام ١٩٩٨ وبعد أن أنجز معرضا متميزا للحمضيات في دير علا قرر المدير العام عزل ابا الرائد من إدارة المركز و تسليم إدارة المركز لمن يحمل شهادة الدكتوراة فابو الرائد يحمل الماجستير ، لكنه خيّر بين ان يبقى في دير علا او يغادرها لأي مركز اخر لكن ابا الرائد فضل البقاء في مركزه متفرغا لابحاثه قريبا من عائلته واولاده الذين كانوا في بداية مرحلة الحياة الجامعية . لقد كان يشعر بالظلم الا انه صبر وتحمل ، وبدأ يطور نفسه بعالم الكمبيوتر ويتابع ابحاثه ومشاريعه فالبعد عن اعباء الإدارة أعطاه مساحة اكبر للتحرك والإنجاز .
لقد كان ابو الرائد متميزا في تخصصه خلوقا مع زملائه يقدر العمل والإنجاز لم يكن يحب المواجهة مع المسؤولين احتراما لشخصه وبعدا عن الاذى الذي يأتي من قبلهم ، لقد بقي في مركز دير علا حتى اتاه قرار التقاعد فتقبله بكل رحابة صدر وغادر المركز محفوفا بتقدير ومحبة زملائه الذين تعاطفوا معه وقدروا موقفه .
رحم الله أبا الرائد الذي انتقل إلى رحمة الله في يوم 20/8/2025 داعين الله له بالمغفرة ةلاهله وذويه جميل الصبر وحسن العزاء





