مقالات

عبندة يكتب: أمطار في الأغوار

نشامى الاخباري _ مدونة ماجد عبندة

في شباط من عام ١٩٨٤ عدت من بغداد برفقة زميلي خالد والذي أصر علي ان ازوره في بلدته (كريمة) بالاغوار الشمالية فقد قال لي ان بلدته جميلة جدا وبها مزروعات من كل الأنواع وعلاوة على ذلك فان طقسها معتدل في هذه الأيام ، ونظرا لاصراره وعدته بتلبية دعوته في أقرب جمعة قبل العودة إلى بغداد .

بعد عدة ايام وفي صباح يوم جمعةٍ صافٍ ومشمس انطلقت نحو مجمع الاغوار لاركب الحافلة المتوجهة إلى كريمة ، لقد كانت بالنسبة لي مكانا جديدا اتعرف عليه ، فانا لم اصل تلك المناطق سابقا الا مرة واحدة حيث ذهبت إلى مقام سيدنا ابي عبيدة لمشاركة بالاحتفال بالمولد النبوي وكنت حينها بالصف الاول الإعدادي في مدرسة عمار بن ياسر عام ١٩٧٦ .

سارت بنا الحافلة تقطع الطريق الطويل والذي يمر بكافة مدن وقرى ومناطق الاغوار الشمالية ، لذلك استغرقت الرحلة اكثر من ساعة بين تحميل وتنزيل وتأخير ، حتى وصلنا قبيل صلاة الجمعة فآثرت التوجه للمسجد القريب من بيت صديقي لاداء الصلاة . بعد الانتهاء من الصلاة بحثت عنه بين المصلين فلم أجده فبدأت بالسؤال عنه ، اجابني بعض الشباب : انه لم يأتِ اليوم لصلاة الجمعة لكن لا عليك فنحن سنرافقك إلى بيته لعله صلى في مسجد آخر .

في بيت خالد اكتشفنا انه واباه قد غادرا إلى السلط في أمر طارئ وبسبب عدم توفر الهواتف في ذلك الحين لم يستطع اخباري باعتذاره ، فشكرت الشباب الذين رافقوني وهممت بتوديعهم لكنهم قالوا : لا نسمح لك بالمغادرة فكلنا خالد ، تبسمت لهم وكررت شكري واصراري على المغادرة لكنهم بدأوا بالأيمان والحلفان ان غداءك عندنا .

كان الأمر محرجا خاصة انني لا أعرف أحدا منهم وانا اقابلهم لاول مرة ، انصعت لالحاحهم وذهبت إلى بيت احدهم وهو المتزوج الوحيد فيهم وانتظرنا حتى اعدت زوجته سدرا من المقلوبة فاحضره وبدأنا بالتهامه .

في اثناء تناول الطعام بدأنا نسمع اصوات قطرات المطر تضرب زجاج النوافذ لكننا لم تحفل بها فالجو بالرغم من ذلك كان دافئا وزاد دفئه الجَمعة الطيبة والطعام اللذيذ .

بعد الطعام تناولنا الشاي واستأذنت بالمغادرة فقال لي احدهم انتظر قليلا لتفتح الطريق ! استغربت كلامه وخرجت معهم لنستطلع الأمر ويا لهول ما رأينا ! لقد نزلت أمطار خفيفة في الاغوار لكنها كانت غزيرة في عجلون وادت شدتها ان شكلت سيولا ضخمة جرفت معها الاشجار والصخور والحيوانات فاغلقت الشارع الرئيسي للاغوار ثم انطلقت إلى المزارع الواقعة بين الشارع والشريعة فاتلفتها وأخذت في طريقها العديد من الأبقار والاغنام وشبكات الري وبيوت الخضار وانفاقها . لقد كان المنظر حزينا حين رأيت المزارعين يندبون حظهم ويضربون كفا بكف بعد خسارة اشهرٍ من التعب والمصاريف بانتظار جني المحصول .

لقد بقيت صورة هذه الكارثة عالقة في ذاكرتي حتى بعد تعييني مهندسا زراعيا في دير علا وبعد ان أنشأت وزارة المياه سد كفرنجة وبعد أن اقرت وزارة الزراعة صندوق المخاطر الزراعية ، بقيت صورة الاطفال والكبار وهم يبحثون عن بقايا انتاجهم ويلملموا من برك الطين حلمهم .

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *