مقالات

بين هيبة “الحجي” وسعار الـ “لايك”: حين يصبح الوالدان محتوىً للاستهلاك!

نشامى الاخباري _ نضال أنور المجالي

​في زمنٍ مضى، كانت خصوصية البيوت وقاراً، وصورة الأب والأم تُحيطها هالة من الهيبة لا يجرؤ أحدٌ على خدشها. أما اليوم، وفي ظل اجتياح حمى “السوشيال ميديا”، فقد تحولت تلك الهيبة إلى “مادة خام” للضحك والسخرية، وأصبح الوالدان – دون علمهم أحياناً – وقوداً لمحركات البحث ووسائل لرفع نسب المشاهدة.
​لقد طالعنا مؤخراً ظاهرة تُدمي القلب قبل أن تُثير الضحك؛ أبناءٌ وبنات، في مقتبل العمر، يستثمرون في عفوية آبائهم وكبر سن أمهاتهم. نرى الأم التي أفنت عمرها في التربية، تُصور وهي تقع ضحية “مقلب” سخيف يثير رعبها، فقط ليرى المتابعون رد فعلها “المضحك”. ونرى الأب الذي كان رمزاً للوقار والشدة، يُدفع دفعاً لارتداء ملابس لا تليق بسنه، أو نطق كلمات هابطة، تحت ذريعة “خفة الدم” ومواكبة العصر.
​إن ما يحدث ليس مجرد “ترفيه بريء”، بل هو “عقوق ديجيتال” مغلف بابتسامة صفراء. إن استغلال بساطة كبار السن وعدم إدراكهم لخطورة الانتشار الرقمي هو نوع من أنواع الانتهاك الأخلاقي. فالمتابع الذي يضحك اليوم على تعثر لسان تلك الأم أو نوبة غضب ذلك الأب، لا يمنح المصور احتراماً، بل يمنحه “لايكاً” عابراً يتبعه احتقارٌ مبطن لهذا الجيل الذي استرخص أغلى ما يملك من أجل شهرة زائفة.
​إننا أمام معضلة قيمية؛ حيث استبدل البعض “بر الوالدين” بـ “استثمار الوالدين”. فبدلاً من أن يكون الابن سنداً لوالديه في خريف عمرهما، يحميهما من أعين المتطفلين، صار هو من يشرع أبواب غرفهم ونقاط ضعفهم أمام الملايين. فهل هانت علينا كرامة من أكرمونا؟ وهل أصبحت “الترندات” أثمن من دعوة رضا في جوف الليل؟
​إن العودة إلى قيمنا الأصيلة، التي تضع الوالدين في مكانة “المقدس” لا “المسلي”، هي ضرورة ملحة. فالشهرة التي تُبنى على حساب تجاعيد وجه الأم أو وقار شيب الأب، هي شهرة جوفاء، تنتهي بانتهاء مدة الفيديو، لكن أثرها النفسي والاجتماعي يظل وصمة عار لا تمحوها كل “فلاتر” التجميل.
​فلنتقِ الله في كبارنا، ولنجعل من منصاتنا جسوراً لبناء القيم، لا معاول لهدم الهيبة وبيع الوقار في سوق النخاسة الرقمية.
حفظ الله الاردن والهاشمين

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *