الانتحار بين الطلبة والعاملين: أزمة نفسية أم فشل مؤسساتي؟

نشامى الاخباري _ رغد بني عيسى
لم تعد حوادث الانتحار في الأوساط الجامعية والمهنية بالأردن مُجرد أرقام عابرة، بل تحولت إلى مُؤشرات مُقلقة لأزمة صامتة.
واتفق مختصون في هذا السياق، على أن الانتحار في الأوساط الجامعية والمهنية في الأردن ليس ظاهرة فردية أو لحظية، بل هو نتاج تراكمي لتفاعل مُعقد بين عوامل نفسية وبيئية واجتماعية واقتصادية.
وأكدوا لـ “نشامى”، أن الوقاية تتطلب تعزيز خدمات الدعم النفسي في الجامعات والمؤسسات، وتفعيل دور المُستشارين، وكسر وصمة العار المُرتبطة بالصحة النفسية، وإشراك الأسرة في عملية الدعم، مع ضرورة توفير بيئات آمنة تسمح بالبوح وطلب المُساعدة دون خوف من الوصم أو تسرب المعلومات.
حادثتا طالبة الطب وأحد العاملين في القطاع الصحي مُؤخراً، تطرحان سؤالاً جوهرياً، هل نحن أمام حالات فردية معزولة، أم أمام أزمة نفسية مُتصاعدة تهدد فئة الشباب والعاملين في الأردن؟.
علم النفس
قالت الدكتورة في علم النفس والجريمة الدكتورة ريما شهوان، إن العلاقة بين تدهور الصحة النفسية والسلوك الانتحاري هي علاقة طردية ومُباشرة ومُعقدة في آن واحد.
وبينت شهوان في تصريح خاص لنشامى، بإزدياد مُستويات القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي، ارتفع خطر التفكير والسلوك الانتحاري، خاصة لدى فئتين تتعرضان لضغوط مُستمرة الطلبة الجامعيون والعاملون، مضيفة أن المُعطيات تشير إلى أن فئة الشباب هي الأكثر تأثرًا، وقد أظهرت الحوادث مؤخرًا كيف يمكن لتراكم الضغوط الدراسية مع ضعف الاستجابة للدعم النفسي أن يشكل بيئة خطرة تدفع نحو الانتحار.
وتابعت: “ومن منظور علم الجريمة، نحن لا نتحدث عن قرار لحظي، بل عن مسار تراكمي من المعاناة النفسية غير المعالجة”.
وحول أبرز الاضطرابات النفسية المُرتبطة بالانتحار، أوضحت شهوان، أن الاكتئاب هو العامل الأبرز بين الحالات المُرتبطة بمحاولات الانتحار، يليه اضطرابات القلق، واضطرابات الشخصية وخصوصًا الحدية، والإدمان، والاضطرابات المرتبطة بالضغط، مشيرة إلى أن الذين ينهون حياتهم كانوا يعانون من اضطراب نفسي مُشخص أو غير مُشخص.
وعن التمييز بين الانتحار الناتج عن مرض نفسي والانتحار الناتج عن البيئة، أكدت شهوان أن التمييز يكون عبر ثلاثة مؤشرات أساسية ،أولىها الاستمرارية، فالمرض النفسي معاناة مُمتدة وأعراض مُتراكمة بينما الضغط البيئي مُرتبط بحدث أو ظرف محدد ،ويليه العمق الداخلي، فالمرض النفسي شعور داخلي بالفراغ بينما البيئة تسبب شعورًا بالعجز أو الظلم أو الفشل، وأخرها الاستجابة للتغيير، فالبيئة قد تتحسن بتغير الظروف بينما المرض النفسي يحتاج تدخلًا علاجيًا متخصصًا.
وأوضحت أنه لا يوجد فصل حقيقي بينهما، بل العلاقة تفاعلية، فالضغوط الدراسية أو المهنية قد تُفعّل اضطرابًا نفسيًا كامنًا، كما تتوزع في الأردن حالات الانتحار بين اضطرابات نفسية، وخلافات عائلية، وضغوط اقتصادية وفشل وإحباط، لذلك الأكثر شيوعًا هو التداخل بين العاملين وليس أحدهما فقط.
وشددت شهوان، على أن خدمات الصحة النفسية هي وسيلة للوقاية من “جريمة الانتحار” بلا شك، فالانتحار من منظور علم الجريمة يُصنف ضمن السلوكيات المؤذية للنفس التي يمكن الوقاية منها، وليس مُجرد حدث فردي، مبينة أن ارتفاع الحالات إلى 166 حالة وفاة في عام 2024 يعزز الحاجة إلى تدخلات وقائية مؤسسية.
واختتمت شهوان حديثها: “الانتحار ليس ظاهرة مُنفصلة، بل مؤشر مُركب على خلل في التوازن بين الإنسان وبيئته النفسية والاجتماعية، ومع تزايد الضغوط على الشباب تحديدًا، تصبح الوقاية مسؤولية مؤسساتية تبدأ من الجامعة ومكان العمل ولا تنتهي عند العيادة النفسية”.
علم الجريمة
أكدت الدكتورة في علم الجريمة، لانا بواعنة، أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين تدني مُستوى الصحة النفسية والانتحار، وبخاصة لدى العاملين في الجامعات والطلبة، حيث أن هناك العديد من الأمراض التي قد تؤدي إلى تغير مستوى كيمياء الدم في الجسم مثل النواقل العصبية ومنها السيروتونين والدوبامين، وبالتالي فإن تغير مُستوى هذه المواد يؤثر على إدراك الشخص للمحيط.
وحذرت بواعنة خلال حديثها لنشامى، أن من أخطر الأمراض التي قد تدفع الشخص إلى الانتحار هي الاكتئاب واضطراب ثنائي القطب، مُشيرة إلى أن مُشكلة هذه الأمراض أنها لا يمكن اكتشافها في مراحلها الأولى، فقد تتأخر أو لابد من وجود أشخاص معينين حتى يدركوا أن هذا الشخص قد يعاني من الاكتئاب.
ولفتت إلى أنه ما زال هناك وصم سلبي تجاه هذه الأمراض، لذلك فإن بعض الأشخاص المُشخصين بالاكتئاب لا يلجؤون إلى العلاج.
وأضافت أن ظروف العمل لدى العاملين في الجامعات قد تجعلهم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالاكتئاب، حيث أن الدوام الطويل وضغط العمل في الجامعات يجعل هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة للأمراض النفسية، كما أن المُستوى الاجتماعي سواء للأستاذ الجامعي أو العاملين في المؤسسات قد يدفع إلى المُعاناة من هذا المرض ويجعل هناك مُشكلة في عودته إلى الأطباء النفسيين.
وقالت بواعنة، إنّ في القطاع الصحي نعاني من مُشكلة عدم احترام خصوصية المريض وتسرّب معلومات المريض، لذلك قد يفكر أي مريض بالاكتئاب ألف مرة قبل اللجوء إلى الطبيب النفسي خوفًا من تسرب معلوماته الصحية”.
وبالنسبة للطلبة، أشارت بواعنة إلى أن تغير طريقة الدراسة الحالية، وإجبار بعض الطلبة على دراسة تخصصات لا تناسبهم وخصوصًا من قبل الأهالي، ومُعاناة بعض الطلبة وعدم معرفتهم إلى من يمكن أن يلجأوا لمساعدتهم، وتراكم معاناتهم قد يضع الطالب تحت ضغط اختلالات نفسية تتطور إلى أمراض نفسية.
وتابت، أن عدم تفعيل دور المُستشارين النفسيين في المؤسسات، وعدم استيعاب الأهل للجانب النفسي للطالب، قد يؤدي إلى مُعارضة الأهل عندما يواجه الطالب صعوبة في التخصص وعدم مقدرته على مجارات متطلبات التخصص، وهذه المعارضة لتحويل الطالب إلى مساق أو تخصص يناسبه قد تجعل الطالب عرضة للانتحار، كما حذرت من أن التنمر بين طلاب الجامعات، على الرغم من نضوجهم الاجتماعي، قد يدفع بالطالب إلى الانتحار.
وأشارت إلى دور الوراثة، فبعض الكتب النفسية أشارت إلى الدور الوراثي للأمراض النفسية، مؤكدة أن أي عائلة ترى أن هناك سوابق للأمراض النفسية يجب أن تنتبه إلى الجانب النفسي لأبنائها.
واختتمت بواعنة بالتأكيد على أن هناك عوامل عديدة قد تؤدي إلى الانتحار، وقوة تأثير هذه العوامل متفاوتة، لكن الجانب النفسي هو أكثر الجوانب تأثيرًا في الانتحار، حيث يمكن أن تتجاوز نسبته 70% من حيث التأثير في معدلات الانتحار، فالشخص الذي يعاني من اختلالات نفسية يلجأ إلى الانتحار لإنهاء معاناته مهما كان سبب المُعاناة، فعندما تختل الصحة النفسية للإنسان فإنه يحكم على المشكلة بطريقة خاطئة ويلجأ إلى الانتحار.
أخصائية نفسية
أوضحت الإخصائية النفسية آيات السالم، أنه في إطار الإرشاد النفسي، يُفهم السلوك الانتحاري كنتيجة لقصور في عمليات التكيف النفسي مع الضغوط الحياتية، وليس فقط كعرض لاضطراب مرضي، حيث يؤدي ضعف مهارات المُواجهة، وانخفاض الدعم الاجتماعي، وتزايد الشعور بالعجز واليأس إلى تضييق إدراك الفرد لبدائل الحل، فيُنظر إلى الانتحار كخيار للهروب من الألم النفسي المُستمر.
وقالت خلال حديثها لـ”نشامى”، بأنّ الأمر لا يقتصر على وجود مرض نفسي، بل يرتبط أيضًا بعدم قدرة الفرد على التعامل مع الضغوط الحالية، وافتقاره إلى الدعم الكافي أو البدائل الفعالة للحل، مما يزيد من احتمالية تصاعد الأفكار الانتحارية.
وحول أبرز الاضطرابات النفسية المرتبطة بحالات الانتحار في هاتين الفئتين، أوضحت أن من أبرزها اضطراب الاكتئاب الشديد، لما يرتبط به من فقدان الأمل والمعنى، واضطراب القلق العام، الذي يتميز بالشعور المُستمر بالتهديد والتوتر، إضافة إلى اضطراب ثنائي القطب وخاصة خلال نوبات الاكتئاب، وكذلك اضطراب التكيف الناتج عن صعوبات وضغوط الحياة المباشرة.
وأكدت أن جوهر التفسير الإرشادي هو أن خطورة هذه الاضطرابات لا تتحدد بمسمياتها التشخيصية فقط، بل بمدى تأثيرها في إضعاف مهارات المُواجهة لدى الفرد وتعزيز الشعور بالعجز النفسي.
وعن التمييز بين حالات الانتحار، قالت السالم إنه لا يتم الفصل الحاد بين الأسباب النفسية والبيئية، بل يُنظر إليها ضمن النموذج التكاملي الذي يؤكد على تداخل العوامل المُختلفة في تفسير السلوك الإنساني، ويتم التمييز من خلال تقييم طبيعة الضغوط التي يواجهها الفرد، وكيفية إدراكه لهذه الضغوط، إضافة إلى مُستوى مهارات المواجهة لديه وحجم الدعم الاجتماعي المتاح له.
وأشارت إلى أن حالات السلوك الانتحاري نادرًا ما تعود إلى سبب واحد منفصل، بل غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل تراكمي بين الضغوط البيئية وضعف القدرة على التكيف، موضحة أن الانتحار هو نتيجة لقصور في قدرة الفرد على التكيف مع الضغوط الحياتية، في ظل ضعف الدعم الاجتماعي وانخفاض فاعلية مهارات المواجهة، مما يؤدي إلى شعور بالانهيار النفسي وتضاؤل البدائل المتاحة للتعامل مع تلك الضغوط.
وأكدت في ختام حديثها، أنه لا يُعد ضعف الصحة النفسية العامل الوحيد في السلوك الانتحاري، بل هو أحد مكونات منظومة مُتداخلة تشمل شدة الضغوط الحياتية، وضعف مهارات التكيف، ونقص الدعم الاجتماعي، وطبيعة إدراك الفرد لمشكلاته، وقد تتجاوز الضغوط البيئية في بعض الحالات تأثير الاضطراب النفسي، خاصة عند غياب الدعم والإرشاد، مما يزيد من احتمالية الوصول إلى حالة الانهيار النفسي.




