
الحبر لا يرسم هوية
“اللي مضيّع وطن، وين الوطن يلقاه؟”
نشامى الاخباري _ أسيل عبنده
قد تُرسم للوطن حدودٌ وجغرافيا، لكنهما لا تكفيان لصناعة هويةٍ وطنية. فما يصنع الهوية ليس ما يُكتب على الورق، وإنما ما تشكّل من إرث الآباء والأجداد، وما استقرّ في الوجدان قبل أن يُسطَّر في الكتب. لذلك، لا يمكن اختزال الوطن في مركزٍ أو مدينةٍ واحدة؛ فلكلِّ محافظةٍ حضورٌ أسهم في كتابة ديوانٍ وطنيٍّ، وغدا جزءًا من الضمير الجمعي.
ومن هنا تتشكّل السردية الوطنية؛ فهي لا تُحفظ في الأرشيفات أو الروايات وحدها، وإنما تنبثقُ من تاريخٍ حمل تجارب المجتمع، وشهد نشأة المدن والقرى، وتشكّل مسيرة الدولة، حتى تغنّت الهوية الوطنية بمعاني الانتماء والكرامة.
أصبحت هذه السردية مسؤوليةً تستمدّ استمراريتها من صون الذاكرة الوطنية، وترسيخ المصير المشترك الذي شكّل اللُّبنة الأساسية للتماسك المجتمعي، من خلال المشاركة والاعتراف بإسهامات الجميع، بعيدًا عن مركزيةٍ قد تُغفل أدوارًا لا تقل أهميةً في بناء البلاد، مما يُحدث فجوةً بين المواطن وديوانه الوطني.
وتتجذّر هذه الرؤية من اعتبار المحافظات شركاء في صياغة الوطن، بما راكمته من حضورٍ في المحافل الثقافية والاجتماعية والإنسانية. فقد أسهمت أجيالها في ميادين التعليم والثقافة وإنتاج الكفاءات، فعزّزت حضورها في المشهد الوطني، وأثبتت قدرتها على مواكبة التغيير دون التفريط بركائزها. فالتحدي لا يكمن في الاختلاف، بل في تحويله إلى مصدرٍ للتكامل والقوة.
وعليه، فإن قوة الأوطان تُقاس بما اختزنه الزمن من قصصٍ وخبراتٍ صنعت ملامحها. فالوطن ليس صوتًا غنّى، ولا كتابًا خُطَّ من مكانٍ واحد، وإنما نسيجٌ حاكته سواعد أبنائه جميعًا؛ ومن خلالهم اكتسبت الهوية معناها، ليظل الديوان الوطني شاهدًا على تنوع كتّاب صفحاته.




