تقرير لـ”نشامى”: مخزون غذائي وفير وجيوب مثقلة بالغلاء

خبير لـ”نشامى”: المخزون الاستراتيجي يحمي السوق من النقص، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار
نشامى الاخباري _ خاص _ في وقت تكشف فيه الحكومة عن مخزون استراتيجي من القمح يكفي المملكة لمدة 18 شهرًا، ومخزون من الشعير يغطي احتياجاتها لتسعة أشهر، يظل سؤال كلفة المعيشة حاضرًا لدى الأردنيين: إذا كانت السلع الأساسية متوفرة، فما الذي يجعل الأسعار عبئًا مستمرًا على ميزانيات الأسر؟
السؤال يفتح بابًا للنقاش حول الفرق بين ضمان توافر الغذاء في الأسواق، وقدرة المواطنين على شرائه، خصوصًا في ظل تفاوت الدخول وتراجع القدرة الشرائية لدى شرائح من المجتمع.
وبحسب الحكومة، يبلغ إجمالي مخزون القمح، بما يشمل الكميات المتوفرة والمتعاقد عليها، نحو 821 ألف طن، بما يكفي لمدة 18 شهرًا، فيما يصل مخزون الشعير إلى نحو 725 ألف طن، بكفاية تمتد إلى تسعة أشهر، كما خصصت الحكومة 105 ملايين دينار لدعم الخبز، و66 مليون دينار لدعم الأعلاف.
المخزون الاستراتيجي.. حماية من الأزمات لا ضمان لأسعار منخفضة
يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، في حديثه لـ”نشامى”، أن أهمية المخزون الاستراتيجي لا تقتصر على توفير السلع، بل تمتد إلى حماية سلاسل التوريد من الاضطرابات التي قد تنتج عن الأزمات الإقليمية والدولية، أو ارتفاع كلف الشحن والتأمين والنقل، أو تعطل طرق الإمداد.
ويساعد وجود مخزون كافٍ على تلبية الطلب المحلي، والحد من احتمالات النقص، وتقليل فرص الاحتكار أو إخفاء السلع بهدف التأثير في أسعارها.
لكن عايش يوضح أن وجود المخزون لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار مباشرة؛ إذ إن كلفة شراء السلع وتخزينها ونقلها، إلى جانب توقيت شرائها وأسعارها في الأسواق العالمية، كلها عوامل تؤثر في الكلفة النهائية.
ومن هنا، فإن المخزون الاستراتيجي يمثل أداة لحماية السوق من التقلبات الحادة، لكنه لا يكفي وحده لضمان أسعار تناسب دخول المواطنين.
لماذا لا تنخفض الأسعار مع توافر السلع؟
توافر السلعة في السوق لا يعني بالضرورة أن سعرها أصبح مناسبًا للمستهلك. فالسعر النهائي يتأثر بعوامل متعددة، من بينها كلفة الاستيراد والشحن والتخزين والتوزيع، فضلًا عن هوامش الربح والظروف التي جرى فيها شراء البضائع.
ويشير عايش إلى أهمية إدارة المخزون وتوقيت طرحه في الأسواق؛ فإغراق السوق بالكميات المخزنة دفعة واحدة ليس بالضرورة الخيار الأفضل، بل ينبغي أن تتم عملية الطرح وفق احتياجات السوق وحركة الأسعار، بما يساعد على استقرار الإمدادات والحد من الارتفاعات غير المبررة.
وتبرز هنا أهمية الرقابة على الأسواق، والتأكد من أن أي ارتفاع في أسعار السلع يرتبط بكلف حقيقية، لا بممارسات احتكارية أو استغلال حاجة المستهلكين.
6,931 مخالفة سعرية.. ماذا تقول الأرقام؟
وفي ملف الرقابة على الأسواق، كشف وزير الصناعة والتجارة والتموين يعرب القضاة عن تسجيل 6,931 مخالفة سعرية خلال عامي 2025 و2026، تتعلق بعدم إعلان الأسعار أو البيع بأعلى من السعر المحدد أو المعلن، ووفق الحكومة، لم تُحَل أي منشأة أو تاجر من المخالفين إلى القضاء.
وتعيد هذه الأرقام طرح أهمية الرقابة الفاعلة على الأسواق، ليس فقط من حيث عدد المخالفات المسجلة، بل أيضًا من حيث الإجراءات المتخذة بحق المخالفين، ومدى قدرتها على الحد من تكرار التجاوزات وحماية المستهلك.
فوجود منظومة رقابية لا يُقاس بعدد الجولات والمخالفات وحده، وإنما بقدرتها على تحقيق الالتزام، وضمان وضوح الأسعار، ومنع تحميل المستهلك أعباء غير مبررة.
دعم الخبز.. حماية لسلعة أساسية
وفي إطار إجراءاتها المتعلقة بالأمن الغذائي، خصصت الحكومة 105 ملايين دينار للمحافظة على أسعار الخبز، إلى جانب 66 مليون دينار لدعم الأعلاف المخصصة لمربي الثروة الحيوانية.
ويعكس دعم الخبز أهمية إبقاء هذه السلعة الأساسية ضمن حدود يمكن للمواطنين تحملها، لكن أثر سياسات الدعم على كلفة المعيشة يظل مرتبطًا أيضًا بأسعار بقية السلع والخدمات التي تحتاجها الأسر بصورة يومية.
فميزانية الأسرة لا تتوقف عند الخبز والمواد التموينية، بل تشمل النقل والسكن والطاقة والتعليم والصحة وغيرها من الالتزامات التي تتفاوت كلفها من أسرة إلى أخرى.
القدرة الشرائية.. جوهر المشكلة
وبحسب عايش، فإن ارتفاع الأسعار مقارنة بمستوياتها السابقة، بالتزامن مع تفاوت الدخول، يجعل أثر كلفة المعيشة مختلفًا بين الأسر الأردنية؛ فما تستطيع أسرة ذات دخل مرتفع التعامل معه قد يشكل عبئًا كبيرًا على أسرة أخرى ذات دخل محدود.
ويؤكد ذلك أن تقييم الأوضاع المعيشية لا يعتمد على توافر السلع أو معدلات التضخم وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى النظر في مستوى الدخول، ومدى مواكبتها لتكاليف الاحتياجات الأساسية.
فقد يتباطأ ارتفاع الأسعار خلال فترة معينة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، أو أن الأسر استعادت قدرتها الشرائية التي فقدتها مع الارتفاعات المتراكمة.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تكون الأسعار متناسبة مع الكلف الحقيقية وهوامش الربح المعقولة، وفي الوقت نفسه قابلة للتحمل بالنسبة للمستهلكين.
بين أمن الغذاء وأمن المعيشة
تكشف بيانات المخزون الاستراتيجي أن الأردن يمتلك احتياطيًا مهمًا من الحبوب، إلى جانب إجراءات حكومية لدعم الخبز والأعلاف ومراقبة أسعار السلع، لكن التحدي لا يتوقف عند ضمان وجود الغذاء في المستودعات والأسواق، بل يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إليه دون أن يستنزف الجزء الأكبر من دخولهم.
فالأمن الغذائي لا يكتمل بتوافر السلع وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى سوق مستقرة، ورقابة فعالة، وأسعار عادلة، ودخول تساعد الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وبين مخزون يكفي لأشهر طويلة وشكاوى متواصلة من كلفة المعيشة، تبقى المعادلة الأهم هي كيفية ترجمة إجراءات حماية السوق إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، بحيث لا يكون الغذاء متوفرًا فحسب، بل ميسور الكلفة أيضًا.




