مقالات

رصاص الغدر في صحن الكنيسة

قراءة أمنية ومجتمعية في إنذار الخلايا النائمة

نشامى الاخباري _  العميد المتقاعد طلال البواعنة

لم تكن الجريمة الإرهابية الأليمة التي شهدتها كنيسة قرية «حمود» في محافظة الكرك مجرد حادثة عابرة أو فعل عفوي في سياق زمني معزول، بل هي اعتداء دامٍ يحمل في طياته رسائل خطيرة تفرض علينا قراءتها بوعيٍ بعيدًا عن السطحية؛ فهذا الفعل الإجرامي المتكامل يطرح تحليلًا متعدد الزوايا، يمكن إجماله في المحاور التالية:

أولًا: أسلوب التنفيذ و«العقيدة الانغماسية»
تشير المعطيات الميدانية إلى أننا أمام خلية تنظيمية معقدة من صنف «العائلات الجهادية»، التقت إرادة أعضائها على التحضير والتجهيز في محيط عائلي من الصعب اختراقه أمنيًا. عاينوا مسرح الجريمة، واختاروا التوقيت بدقة. ويعيدنا هذا التخطيط إلى ذات التكتيكات التي اعتمدتها التنظيمات الإرهابية، كـ«داعش» و«القاعدة»، قبل عدة سنوات.

كما أن استخدام الأسلحة الفردية والأوتوماتيكية يوضح الاعتماد على ما يُعرف بـ«الأسلوب الانغماسي»، وهو النمط القتالي الذي تراهن فيه هذه الجماعات على القتال حتى اللحظة الأخيرة لإيقاع أكبر عدد من الضحايا والمصابين، وخلق حالة عميقة من الرعب الصادم في المجتمع.

ثانيًا: طبيعة العتاد وفرضية المساندة اللوجستية
خلوّ المنفذين الميدانيين من الأحزمة الناسفة أو المتفجرات في المسرح المباشر لا ينفي خطورة قدراتهم؛ بل يرجّح إمكانية وجود إمدادات قاتلة وعبوات متفجرة في «مواقع الاختباء» أو الملاذات الآمنة التي أُعدّت للخلية، مما يعني أن الحادثة لم تكن فردية بقدر ما هي جزء من بنية لوجستية أوسع.

ثالثًا: إدارة الاشتباك وحنكة الأجهزة الأمنية
تعلّمنا التجارب الوطنية السابقة، من أحداث قلعة الكرك إلى أحداث إربد والسلط، أن هذه المجموعات الإرهابية تُعِدّ نفسها لمواجهات طويلة ونزف ممتد مع الأجهزة الأمنية.

ومن هنا، تبرز حكمة مؤسساتنا العسكرية والأمنية، بخبرتها المتراكمة في التعامل مع هذه المواقف، بحذر شديد ودقة متناهية، تفاديًا لسقوط ضحايا من المدنيين أو التأثير على الممتلكات والمحيط السكني أثناء إدارة عمليات الاشتباك.

رابعًا: التحصين الأمني والمجتمعي: فرضية الحذر الأعلى
إن نقطة الارتكاز الأكثر حساسية في هذه المرحلة تتعلق بضرورة رفع درجات الحذر والتحصين الشامل إلى أعلى مستوياتها. فالجريمة في «حمود» قد تكون بمثابة شرارة تحريك أو إشارة بدء لخلايا نائمة أخرى تنتظر الفرصة السانحة لانتهاز لحظات الانشغال أو التعاطف الميداني لضرب نقاط جديدة.

الحذر الشديد واليقظة التامة هما حائط الصد الأول لمنع أي استثمار إرهابي آخر للحدث.

خامسًا: متانة النسيج الوطني ورفض رسائل الظلام
رغم القسوة البالغة والدموية التي ألمّت بنا، أثبت المجتمع الأردني مجددًا وعيًا عميقًا برسائل «قوى الظلام». حيث فشلت الجريمة في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في ضرب الاستقرار وتفكيك عرى التعايش التاريخي والعيش المشترك مع إخواننا وأهلنا من الطائفة المسيحية، بل جاءت النتيجة عكسية تمامًا، بتلاحم مجتمعي أشد صلابة.

سادسًا: المسؤولية الجماعية واليقظة المجتمعية
بعيدًا عن جمل التجميل أو التقليل من حجم الثغرات، فإن مكافحة التطرف والإرهاب ليست واجبًا منوطًا بالأجهزة الأمنية وحدها، التي تسهر الليل والثواني لحماية مقدرات الوطن، بل هي مسعى يتطلب مناعة مجتمعية شاملة.

المطلوب اليوم هو الرفض الصارم والإدانة القاطعة لهذا الفكر، إلى جانب تفعيل الرقابة الواعية من الأسر والمحيطين على سلوكيات الأبناء والزملاء والجيران. إن ملاحظة أي تحول فكري متطرف والإبلاغ عنه مبكرًا هو الواجب الأخلاقي، كي لا نكون أطرافًا غير مباشرة في جريمة قادمة.

سابعًا: صيانة الخطاب الديني ومواجهة العقم الفكري
يبقى السؤال الأهم والأخطر متعلقًا بطبيعة ونوعية الخطاب الديني المقدّم للناس. إن تشديد الرقابة والتأكد من كفاءة ووعي كل من يعتلي منبرًا أو يقدم موعظة أضحى ضرورة ملحّة؛ فبعض الشباب والمغرر بهم يقعون ضحية فهم عقيم يصوّر القتل وسفك الدماء كأقصر الطرق إلى رضوان الله وجنته، جهلًا منهم بعمق الرسالة الإسلامية وسماحتها.

إن تفكيك هذه المظلة الفكرية المنحرفة يحتاج إلى مراجعة مؤسسية جادة، مستمرة ومستدامة.

أخيرًا: ما وراء المشهد
من المهم عدم فصل ما جرى في صحن الكنيسة عن حالة التوتر والاضطراب التي تعيشها المنطقة، وتلقي بظلالها على المشهد الأمني والسياسي.

ولهذا البعد حديث آخر.

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *