
مقالات
الشياب يكتب: من الماضي الجميل فتح عمورية
نشامى الاخباري_دكتور سلطان الشياب
في رمضان شهر الانتصارات بحلو الحديث عن تلك الأمجاد ابتداء من بدر، مرورًا بفتح مكة، وبلاط الشهداء، وعن جالوت، وحطين وفتح عمورية، والقادسية، وفتح القسطنطينية، وغيرها الكثير من تلك الانتصارات (فتح عمورية) أو معركة عمورية، التي حدثت في الثامن عشر من رمضان، بقيادة الخليفة العباسي الثامن (المعتصم) سنة 838م – 223 للهجرة.
كانت من المعارك المهمة في التاريخ الإسلامي، وتاريخ الخلافة العباسية، ليس لكونها معركة بين البيزنطيين والمسلمين فقط، لكنها كانت معركة رمضانية بامتياز قضت على الوجود البيزنطي تمامًا في آسيا الصغرى وبلاد تركيا، وبسطت الدولة العباسية نفوذها من جديد على أغلب بلاد فارس وآسيا الصغرى وأصبحت قوة يخافها كل الذين يريدون بالدولة (شرًا)، والذين يحاولون الخروج عليها.
(وعمورية) المدينة تقع في آسيا الصغرى وبالتحديد في مدينة الأناضول في الجزء الجنوبي الغربي لمدينة أنقرة اليوم، كانت منذ العصور القديمة عامرة، فيها القلاع والكنائس ومركز مهم للإمبراطورية البيزنطية، لكن بعد أن فتحها القائد العباسي المعتصم تعرضت للتدمير والخراب، والحقت بمدينة أنقرة ومنها حتى اليوم بقايا القلعة الشهيرة التي دمرها المعتصم.
وفتح عمورية التي حدثت في خلافة المعتصم، ذكرها الشاعر العربي الكبير أبو تمام في قصيدته الخالدة التي مطلعها.
السيف أصدق إنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
كانت قلعة حصينة زاد من تحصينها الإمبراطور البيزنطي (ثيوفيلوس) بعدما ورد له أن الخليفة المعتصم قرر أن يغزوه في عقر داره، فقرر أن يرممم القلاع والحصون الموجودة، فقام بترميم حوالي 44 برجًا أصلاً كانت موجودة ووضع فيها المؤن والسلاح والجنود تكفيهم لحوالي سبعة أشهر وحفر حول المدينة خندق عريض فيه مجرى مائي، وتفقد المدينة، واعتبرها خط الدفاع الأول والمهم للإمبراطورية البيزنطينية حكمها.
المهم أن الخليفة المعتصم صمم على غزو المدينة خصوصًا بعدما وصل إلى مسامعه استنجاد المرأة العربية التي وقعت بالأسر ووضعت في سجن ولطمها البيزنطي عندما رددت (وامعتصماه) تقول المصادر التاريخية أن استنجاد المرأة العربية المسلمة الهاشمية، والتي كانت تدعي (شراة العلوية) بالمعتصم، ليس هو السبب الوحيد لغزو عمورية، ولكن يتفق معظم المؤرخون أن استنجاد المرأة المسلمة هو الذي عجل من الأمر، وأقسم المعتصم بعد ذلك أن يضع حدًا للتمرد والاستشهار البيزنطي، وعمورية كانت على الدوام حلم أي خليفة سوأً أموي أو عباسي، فهي مدينة مشهورة وذات أهمية بالنسبة لكل آسيا الصغرى، فقد ورد أن الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان حاول فتحتها لكنه فشل، وحاول الوليد بن عبدالملك بعد ذلك وكذلك سليمان الخليفة الأقوى لكنه استطاع عقد معاهدة مع الامبراطور البيزنطي كانت تنص على عدم الاعتداء، وحاول الخليفة العباسي هارون الرشيد، لكنه لم يستطيع أن يفتحها ويبسط سلطان الدولة العباسية عليها، وحاول الخليفة المأمون لكن انشغاله بأحداث الدولة العباسية والاضطرابات التي حدثت في بلاد فارس وبعض مناطق مصر تركها لفترة.
في أثناء خلافة المأمون ظهرت فتن جديدة في الدولة العباسية بعضها قديم، والبعض الآخر جديد، وأغلب الاضطرابات ظهرت في بلاد فارس وتعود تلك الاضطرابات والفتن لعهود قديمة، فقد تمزقت بلاد فارس بعد الفتح الإسلامي وخصوصًا بعد معركة البويب والقادسية سنة 15 للهجرة 636م. وبسطت الدولة الإسلامية سيطرتها على كافة أقاليم بلاد ما وراء النهر وخصوصًا بلاد فارس منذ ذلك التاريخ وبلاد فارس تحاول قدر الإمكان بث الفرقة في الدولة العربية سواء الأموية أو العباسية وحاولت جاهدة في أكثر من سنة أن تبث التفرقة والاضطرابات لأنها لها ثأر قديم مرة تنجح ومرات تفشل وهذا يقودنا إلى الحملة التي قادها الخليفة المعتصم فقد ظهر في بلاد فارس قائد يكن العداء للدولة العباسية (بابكالخرمي) وهذا المنشق كما تقول الروايات التاريخية أنه ارتد عن الإسلام واعتنق المسيحية ووعد الامبراطور البيزنطي أن وقف معه، أو قام الامبراطور بمهاجمة الدولة الإسلامية فسوف يعتنق الكثير من أهل فارس الديانة المسيحية نكاية بالخلافة الإسلامية في بغداد (وبابك) اعتنق الديانة المزوكية، وهي حركة تؤمن الإباحية المطلقة، واعتنقها الكثير من أهل فارس وأعلن خروجه عن سلطة الدولة في بغداد وجهز الخليفة المأمون الحملات من أجل تأديبه لكنه فشل في بداية الأمر، وأدركه الموت، فطلب من المعتصم أن يعمل جاهدًا من أجل بسط نفوذ الدولة والقضاء على (بابك) ولما علم الخليفة المعتصم أن بابك تواصل مع الإمبراطور البيزنطي، وأغارت القوات البيزنطينية مع قوات بابك على القلاع الإسلامية وأسرت العديد من الرعايا المسلمين ومثلت بالعديد من الأسرى، وعندما وصلت الأخبار للمعتصم بالإضافة إلى استنجاد المرأة العربية المسلمة به عندها صمم على أن يقوم أولاً بالقضاء على (بابك) قبل التوجه إلى عمورية فجهز الحملات وكان قائد الحملة (لافثين) القائد الإسلامي واستطاع بعد جهد أن يقضي على الثورة وعلى (بابك) فقد تم أسره واقتيد إلى (سامراء) وهناك تم إعدامه وبسطت الدولة الإسلامية من جديد على بلاد فارس من جديد وتفرغ بعد ذلك لعمورية فقد خرج المعتصم بأكثر بحوالي 200 ألف مقاتل جنوب عمورية، وعندما علم الامبراطور البيزنطي، حاول الاتصال مع المعتصم، فعرض عليه المعاهدة، والاعتذار ودفع الكثير من الأموال، وبناء العديد من القرى التي دمرها، لكن المعتصم رفض وصمم على دخول عمورية وانقاذ المرأة المسلمة هناك.
وصلها في فصل الشتاء وكان البرد قارس في 6 رمضان وبعد جهد استطاع أن يفتح المدينة ويدمرها وفر الامبراطور البيزنطي والعديد من أهلها بعد استسلام الكثير، واستطاع الخليفة المعتصم الوصول إلى المرأة المسلمة التي أطلقت صرختها (وامعتصماه) وأن يفك أسرها، وقال لها يا أمة الله هل استجاب لك المعتصم فقالت نعم الحمد لله فقال أن الرجل الذي لطمك سوف يبقى خادم لكي وأقر لها بأعطية، وفي أثناء الرجوع أمر بإعادة بعض المدن التي دمرت وأحرقت وأقام بها الحصون والقلاع، وكان مع المعتصم الشاعر الكبير (ابو تمام) (حبيب بن أوس الطائي) فقد ورد أنه ولد في (جاسم) (عام 190 – ومات 231هـ) من قرى حوران عاش في دمشق واترحل إلى القاهرة، وبغداد، والتحق ببلاط الخليفة المعتصم، له العديد من الكتب تميز شعره بالبلاغة والفصاحة وقوة التعبير وجمع بين الحداثة والتقليد ويكفيه أنه رافق المعتصم عندما قرر فتح عمورية، ونظم قصيدة تعد من أروع وأجود القصائد العربية، وكانت أداة دافعة على قوة شعره، ووصف الحالة التي كانت عليها قوة المعتصم والجيش وخطوات النصر واعتبرت من أجود القصائد التي تخلدت وتخلد قائلها، وقائد المعركة (عمورية) المعتصم، وهي تعد بمثابة ملحمة من الملاحم العربية.
يقول في مطلعها
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ | في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ |
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في | مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ |
وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً | بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ |
أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما | صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ |
تَخَرُّصاً وَأَحاديثاً مُلَفَّقَةً | لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ |
عَجائِباً زَعَموا الأَيّامَ مُجفِلَةً | عَنهُنَّ في صَفَرِ الأَصفارِ أَو رَجَبِ |
وَخَوَّفوا الناسَ مِن دَهياءَ مُظلِمَةٍ | إِذا بَدا الكَوكَبُ الغَربِيُّ ذو الذَنَبِ |
وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتَّبَةً | ما كانَ مُنقَلِباً أَو غَيرَ مُنقَلِبِ |
يَقضونَ بِالأَمرِ عَنها وَهيَ غافِلَةٌ | ما دارَ في فُلُكٍ مِنها وَفي قُطُبِ |
لَو بَيَّنَت قَطُّ أَمراً قَبلَ مَوقِعِهِ | لَم تُخفِ ما حَلَّ بِالأَوثانِ وَالصُلُبِ |
فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ | نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَو نَثرٌ مِنَ الخُطَبِ |
فَتحٌ تَفَتَّحُ أَبوابُ السَماءِ لَهُ | وَتَبرُزُ الأَرضُ في أَثوابِها القُشُبِ |
يا يَومَ وَقعَةِ عَمّورِيَّةَ اِنصَرَفَت | مِنكَ المُنى حُفَّلاً مَعسولَةَ الحَلَبِ |
أَبقَيتَ جَدَّ بَني الإِسلامِ في صَعَدٍ | وَالمُشرِكينَ وَدارَ الشِركِ في صَبَبِ |
أُمٌّ لَهُم لَو رَجَوا أَن تُفتَدى جَعَلوا | فِداءَها كُلَّ أُمٍّ مِنهُمُ وَأَبِ |
وَبَرزَةِ الوَجهِ قَد أَعيَت رِياضَتُها | كِسرى وَصَدَّت صُدوداً عَن أَبي كَرِبِ |
بِكرٌ فَما اِفتَرَعتَها كَفُّ حادِثَةٍ | وَلا تَرَقَّت إِلَيها هِمَّةُ النُوَبِ |
مِن عَهدِ إِسكَندَرٍ أَو قَبلَ ذَلِكَ قَد | شابَت نَواصي اللَيالي وَهيَ لَم تَشِبِ |
حَتّى إِذا مَخَّضَ اللَهُ السِنينَ لَها | مَخضَ البَخيلَةِ كانَت زُبدَةَ الحِقَبِ |
أَتَتهُمُ الكُربَةُ السَوداءُ سادِرَةً | مِنها وَكانَ اِسمُها فَرّاجَةَ الكُرَبِ |
جَرى لَها الفَألُ بَرحاً يَومَ أَنقَرَةٍ | إِذ غودِرَت وَحشَةَ الساحاتِ وَالرُحَبِ |
لَمّا رَأَت أُختَها بِالأَمسِ قَد خَرِبَت | كانَ الخَرابُ لَها أَعدى مِنَ الجَرَبِ |
كَم بَينَ حيطانِها مِن فارِسٍ بَطَلٍ | قاني الذَوائِبِ مِن آني دَمٍ سَرَبِ |
بِسُنَّةِ السَيفِ وَالخَطِيِّ مِن دَمِهِ | لا سُنَّةِ الدينِ وَالإِسلامِ مُختَضِبِ |
لَقَد تَرَكتَ أَميرَ المُؤمِنينَ بِها | لِلنارِ يَوماً ذَليلَ الصَخرِ وَالخَشَبِ |
غادَرتَ فيها بَهيمَ اللَيلِ وَهوَ ضُحىً | يَشُلُّهُ وَسطَها صُبحٌ مِنَ اللَهَبِ |
حَتّى كَأَنَّ جَلابيبَ الدُجى رَغِبَت | عَن لَونِها وَكَأَنَّ الشَمسَ لَم تَغِبِ |




