مقالات

عبندة يكتب: رجل الميدان.. نعيم مزاهرة

نشامى الاخباري _ مدونة ماجد عبندة

تعرفت عليه في الجامعة الأردنية عام 1988 في احدى محاضرات فيزياء التربة المتقدمة للاستاذ الدكتور أنور البطيخي (رحمه الله) ، كان هادئا لا تكاد تسمع صوته متواضعا لكنه لماحا ذكيا . كانت حلاقته العسكرية ما زالت بادية عليه فقد غادر المعسكر توا وأتى إلى الجامعة لذلك لم يفقد الانضباط والجدية في العمل والتي تعلمها من الجيش .
نعيم مزاهرة ذلك الشاب النحيف قليل الوزن القادم من عنجرة في عجلون الملتزم بالدوام حتى وان كانت المحاضرة تبدأ بالثامنة صباحا فهو تعود ان لا يغيب ، لكنه غاب يوماً واستغربت غيابه وقلت لا بد أن أمرا جللا قد حدث فنعيم لا يعرف العطلات ولا (تطنيش) المحاضرات . قال لي الزملاء : ان اليوم 25/12 ، قلت : والمعنى ؟ قالوا : نعيم (معَيِّد) ، قلت باستغراب : (هو نعيم مسيحي ؟!!!!) .
تكرر اللقاء في مركز دير علا للبحوث الزراعية بداية الالفية الثالثة عندما بدأ بتنفيذ بحثه للدكتوراه فتوطدت العلاقة كان يرافقنا الى الدوام صباحا لكننا لا نراه الا عند العودة في نهاية الدوام فقد كان يقضي كل وقته في الحقل يتابع تجربته .
بعد أن انهى الدكتوراه كان لا بد من ان يترك الرمثا وينتقل إلى دير علا فتخصصه بالري والاحتياجات المائية للمزروعات المروية لا يتناسب مع الزراعات البعلية ، لقد بدأ مشروعا كبيرا لتحديد الاحتياجات المائية الحقيقية لكل محصول حسب ظروف الأردن وليس حسب معادلات اعدت سابقا لمناطق أخرى، لقد كان يدرك اننا نعاني من نقص المياه ولذلك يجب أن نوزن المياه التي نروي بها في ميزان الذهب فهذه ثروة يجب المحافظة عليها لتكفينا وتكفي الاجيال من بعدنا .
في عام 2004 أتت له فرصة للسفر إلى أمريكا للتدريب والعمل في نفس المجال الذي يعمل به في الأردن مع وزارة الزراعة الامريكية فذهب لكنه لم يعود خالي الوفاض بل عاد بجهاز ( الليزوميتر) وهو الجهاز الوحيد في الاردن الذي يحدد الاحتياجات المائية للنباتات بالطريقة الوزنية ، لقد كان هذا الجهاز أجمل هدية يقدمها لوطنه لذلك اشرف على تركيبه في الحقل بنفسه وبدأ بعمل التجارب عليه ليحدث نقلة نوعية بعالم الري في الأردن .
في عام 2008 طلبت منه ان يكون عضوا في لجنة المناقشة لرسالتي في الماجستير فكان نعم المعين والمرشد ومع انه حازم وصارم في العلم الا انه كان لطيفا لينا معي وساعدني في العديد من المشاكل التي واجهتني .
في 1/11/2009 وصل كتاب نقلي إلى اربد مديرا لوحدة الارشاد الزراعي وفي نفس الكتاب تعيين الدكتور نعيم مديرا لمركز دير علا ، حينها توقعت ان انتقاله للإدارة سيشغله عن عمله البحثي وانه سيبدأ بلبس البدله ويجلس على مكتب المدير لاستقبال المراجعين والضيوف لكن توقعاتي لم تكن بمحلها فلم تغير الإدارة به شيئا ولم يترك الحقل والميدان والتجارب والليزوميتر لا بل طور من ابحاثه وادخل محاصيل جديدة شملت الاشجار المثمرة ، وحتى عندما طُلب منه ان يكون مساعدا للمدير العام لشؤون البحث العلمي لم يثنهِ المنصب الجديد عن متابعة تجاربه وإنجاز مهمات جديدة وإنشاء محطات متخصصه في أماكن أخرى .
اليوم وبعد 33 عاما من العمل البحثي يغادر الدكتور نعيم عمله في المركز الوطني للبحوث الزراعيه وانا أجزم انه لم يغب يوما عن دوام ولم يتأخر يوما عن انجاز وعمل بكل أمانة واخلاص وحب .
انني على يقين ان امثال نعيم لا يعرفون الجلوس بلا عمل وانا على يقين اننا سنراه قريبا في موقع اخر يقدم وينجز لكي تكتمل مسيرة الحياة . قلت له قبل أيام وانا اهنئه بالعيد : آن لك ان ترتاح من تعب هذه السنين ، فقال لي : انني أجد راحتي بالعمل في الحقل .
متعه الله بالصحة والعافية وأكثر من أمثاله من الرجال الذين يحبون الوطن ويسعون لخدمته .

 

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

نشامى الاخباري

نشامى الإخباري" هو موقع إخباري أردني متميز يقدّم لكم أحدث الأخبار المحلية الأردنية والعربية، نسعى جاهدين لتقديم محتوى إعلامي مهني وموثوق يساهم في توعية القرّاء وتوفير تحليلات موضوعية وشاملة للقضايا الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *