
شخصيات في الذاكرة.. الخضري خبير البستنة الخضرية
نشامى الاخباري _ مدونة ماجد عبندة
كان من اكثر الشخصيات التي تعلمت منها دروسا في الزراعة والحياة في بداية حياتي الوظيفية انه المهندس الزراعي محمد عيد الخضري (رحمه الله) صاحب الشخصية المركبة البسيطة والمعقدة .
ابو المعتز لم يكن موظفا في مركز دير علا للبحوث الزراعية حين التحقت به بل كان مراقبا لمحطة شرحبيل بن حسنة والتي تتبع المركز في منطقة وادي اليابس (الريان) تلك المحطة الجميلة التي كانت تختص باشجار الحمضيات بشكل رئيسي وبانواع اخرى كالبيكان والافوكادو والدراق والتفاح (الغوري) ثم نخيل التمر وبعض المحاصيل الخضرية لاحقا .
ولد الخضري ذو الأصول السورية في عمان عام ١٩٤٣ واكمل دراسته في مدارس دمشق قبل ان يلتحق بكلية الزراعة في جامعتها والتي تخرج منها عام ١٩٦٩ عاد بعدها للاردن ليلتحق بوزارة الزراعة ويتنقل بين عدد من المحطات الزراعية التابعة لها ، وقد حصل خلال عمله على الدبلوم العالي في الإنتاج النباتي من الجامعة الاردنية والعديد من الدورات التدريبية الداخلية والخارجية في دول مختلفة .
كان ابو المعتز حريصا على المال العام ولم يكن يعمل حساب لمدير او وزير فقد اتاه يوما نائب المدير العام ليشتري حمضيات من انتاج المحطة والتي كانت تباع بسعر مخفض يقل ٤٠% عن سعر السوق فامر العمال بجني الكمية المطلوبة وعندما انتهوا ركب النائب سيارته يريد المغادرة فلحقه وقال له بلهجته الشامية الجميلة : “وين يا افندي ما حاسبتنا” فاستدرك وقال : هذه للمدير العام . فما كان منه الا ان طلب من العمال إنزال الكمية من السيارة وقال له : “خلي المدير العام يجي يحاسب ويأخذ كميته” فما كان من النائب الا ان مد يده الى جيبه وأخرج المبلغ المطلوب .
صحيح ان ابا المعتز اجبر نائب المدير العام على دفع عدة دنانير ثمن الحمضيات لكن هذا الموقف وغيره اوغر صدورهم عليه وجعلهم يسارعون لنقله الى مركز دير علا باحثا في البستنة الخضرية .
كان مكتبه في الطابق الثاني لا يدخله الا القليل من الزملاء والفنيين (وكنت منهم) فهو لا يفتح مجال لجلسات الغيبة والنميمة (والحكي الفاضي) . كنت عندما اتردد عليه بعد جولته الصباحية في (المحطة) للاطمئنان على تجاربه المزروعة ، نشرب الشاي ونتناول احيانا حلوى اعدتها ام المعتز ، كان يحدثني عن عائلته وكيف انه يعتمد فقط على راتبه في تدريس اولاده وكيف انه فضل العيش في السكن الوظيفي بدير علا ليوفر ايجار بيت في عمان او السلط كما أنه استفاد من تفوق اولاده في الثانوية العامة فقد كانوا من اوائل اللواء ، كان الاستماع لحديثه بحد ذاته متعة فما بالك بما يحوي من معلومات وتجارب في الحياة .
قال لي يوما ان حياته بعد الزواج تغيرت للافضل فقد بات اكثر التزاما بدينه واضعاً نصب عينيه ان يكون قدوة صالحة لأولاده في المستقبل . وقد كان إنسانا صادقا امينا يحرص على تربية اولاده وابنته على الأخلاق والدين تسانده في ذلك ام المعتز ، تلك المرأة المدبرة الحريصة على إيجاد بيئة اسرية سليمة .
كان رحمه الله مبدعا في الاقتصاد المنزلي وصنع الأغذية المفيدة ، لقد أعطاني دروسا في صنع المخللات والمربيات وحتى في الطبخ ، لقد كان لا يترك شيئا دون ان يستفيد منه ويزيد من قيمته المضافة .
تقاعد ابو المعتز واجبر على ترك سكنه الوظيفي فغادر الى سكن جديد بين السلط وعمان وتخرج ابناؤه من الجامعات وزوجهم ، الى ان لبى نداء ربه تقيا نقيا نظيفاً من اي شائبة ، في يوم شتائي ماطر من شهر كانون الاول من عام ٢٠٠٩ حضرت جنازته في مسجد الجامعة الاردنية لاقول له : رحمك الله يا أبا المعتز وجزاك خيرا عن كل علم او خبرة قدمتها لنا واستفدنا منها .




