نشامى الاخباري _ محمد المحيسن
هي الأردن… ممر القوافل القديمة، بوابة الشرق، وأرض الوادي المقدس الذي تنفست فيه السماء حين تعمّد المسيح. جاءها الرحالة من كل صوب، نقشوا آثارهم على ترابها، ثم غادروها بسلام، وكأنها ودّعتهم دون أن تنساهم.
وعَمان، حين تغفو بين سبع هضاب، تبدو كأنها تتلحف بهيبة الزمن، ويعبر ليلها بخطى شعراء لا ينامون. مدينة تتقاطع فيها الجهات الأربع، وتلتقي فوقها خرائط الحضارة من فجر الإنسان الأول حتى يومنا هذا.
تسير بك عمّان بين ظلال التاريخ وضوء الحداثة. تسكنها ذاكرة الفاتحين، وتنهض منها حضارة جديدة تُبنى على المعرفة واتساع الرؤية. وفي ليلها، تمتزج الحكاية بالأغنية، والصورة بالكلمة، وتزهر الشرفات بياسمين لا يذبل.
عمّان ليست مجرد مدينة، بل هي شقيقة للروح. كل من زارها شعر بدفء صدرها المفتوح، فهي لا ترد غريبًا ولا تغلق بابها على قلب ضاق بالدنيا.
هي المدينة التي لا تُمل، رغم صخبها الهادئ وجمالها المتواضع. وجهها كوجه امرأة لا تعرف الزيف، تستقبلك كل صباح بندى النقاء، وياسمين الشام، وفنجان قهوة بحب الهال.
ليست القاهرة بضجيجها، ولا دمشق بعراقتها، ولا دبي ببريقها… لكنها قطعة من كل أولئك، دون أن تفقد هويتها.
فيها الجامع الحسيني والمدرج الروماني، فول هاشم وكنافة حبيبة، جفرا والسنترال، جبل اللويبدة، العبدلي حيث تصلي المآذن قرب الأجراس، وفي أسواقها القديمة تعبق الذاكرة برائحة البهارات والعنبر.
وفيها أيضًا جسر عبدون، سي تاون، مكة مول، دراج الجوفة، وأزقة الوحدات، حيث يتنفس الناس الحياة من ضيق المكان وسعة القلب.
على جبالها كتبت الأيام فصولاً من التاريخ، في جبل القلعة وسبيل الحوريات، وفي شوارعها تسير الحكايات على أقدام من لم يغادروها يومًا، وإن رحلوا.
عَمّان… خليط ساحر بين الأمس والغد، بين البساطة والعراقة، كأن العالم كله تواطأ ليجتمع فيها، ويتركها شاهدًا حيًّا على مرور الزمن، وعلى بقاء الإنسان.