
المهندس الشيخ
نشامى الاخباري _ مدونة ماجد عبندة
وصلت مركز ديرعلا للبحوث الزراعية قبل الظهر وصعدت الدرج لاقابل المدير (ابو الرائد) المهندس محمد جلبوش سلمته كتاب التعيين فقال لي : اذهب لمكتب التربة في الطابق الأول ، فسلمت عليه وغادرت .
في مكتب التربة رأيت شخصين رحبا بي وقالا : اهلا وسهلا بك لكن للأسف لا يوجد مكتب لتجلس عليه فارجع للمدير عله يجد لك حلا . في الحقيقة لم يكن المكتب يقلقني كثيرا فأنا قد تعينت بعد طول انتظار ومستعد ان اداوم على كرسي دون مكتب ، الا ان الزملاء لم يقصروا ووفروا لي المكتب والكرسي بوقت قياسي .
اعد ابو احمد الشاي وجلسنا نتحدث : متى تخرجت ؟ ما تخصصك ؟ متزوج ؟ عندك اولاد ؟ كان (ابو احمد) المهندس حسام الدين نجم بشوشا يحب ان يتعرف علي من اول يوم في حين كان زميله بالمكتب الدكتور وليد القواسمي قليل الكلام يرمقني بنظرات من فوق النظارة ، لكنه ارتاح حين علم ان تخصصي تربة وانني معين للإشراف على المختبر والذي كان معطلا لعدم وجود من يشرف على تشغيله . أذن المؤذن لصلاة الظهر فالتفت ابو احمد الي وقال : بتصلي ؟ قلت : نعم قال : اذن قم لنصلي جماعة في المصلى .
بعد الصلاة توجهت مع الزميلين للمختبر لاتعرف عليه وعلى الفنيين العاملين فيه فعرفت حينها خالد التك ومصطفى حلاوة ووحيد وحشة ، وبدأت بعدها العمل في مختبر تحليل التربة والمياه اما ابو احمد فقد كان يعمل في مختبر تحليل النبات .
كان معظم عملنا وجولاتنا مشتركة وايضا جلساتنا واستراحاتنا ، لذلك كنت قريبا جدا من ابي احمد انوب عنه اذا غاب وينوب عني اذا غبت ، لم يمر يوم دون نقاش اوحوار علمي او ديني او سياسي او اجتماعي في نهاية الدوام الطويل والذي كان يمتد للساعة الرابعة والنصف .
كان ابو احمد يسكن في سكن الموظفين في محطة دير علا لذلك كان من السهل عليه الذهاب للبيت والعودة بدقائق لكن البيت ضاق على عائلته فبدأ بالتفكير بالانتقال الى مكان أوسع خاصة بعد ان بدأ ابناءه بدخول الجامعات فاشترى أرضا في الزرقاء وقرر ان يبدأ بالعمار عندها كان لا بد من الانتقال إلى المركز الرئيسي في البقعة فكان له ما اراد .
بالرغم من انتقاله للمركز الرئيسي الا ان العلاقة بالشيخ لم تنقطع فقد بقينا ضمن مديرية المختبرات التابعة للمركز وكان لنا العديد من الاجتماعات واللقاء والدورات المشتركة .
في عام ٢٠٠٩ سافرنا معا الى المانيا بدورة تدريبية ، كانت تلك الدورة هي التي توجت تلك العلاقة فقد قضينا معا اسبوعا جميلا علميا وسياحيا لقد كانت تلك الزيارة أولى زياراتي لأوروبا والتي تعرفت من خلالها على طبيعة الاوروبيين وحياتهم وبالطبع تعرفت اكثر على ابي احمد واخلاقه العالية فالسفر يسفر عن اخلاقه الرجال .
لقد عانى ابو احمد ونحن في دير علا من ارتفاع الضغط والسكري لكنه كان متعايشا معهما اما بعد إنتقاله للزرقاء فيبدو ان الجو الجديد لم يخدمه كثيرا فلم يتحمل قلبه وآثر ان يتوقف بعد معاناة من مرض السرطان .
كان ابو احمد امينا دقيقا في عمله فالعمل في المختبرات يتطلب الامران وكان صبورا قليل التذمر قانعا بحياته البسيطة سعيدا بعائلته طموحاته ليست خيالية ولا مستحيلة ، حتى عندما كان مديرا بالانابة لم يكن يتعامل مع الموظفين الا بطبيعته واسلوبه الذي يعرفوه فلم يتغير بتغير المكان ولا الزمان .
كان رحمه الله لا يحمل حقدا على احد ويتعامل مع الناس بطيبته المعهودة لذلك كان جل الموظفين يحبونه ويحترمونه ويقدموه دائما اذا صلوا جماعة .
كان نشيطا يملئ وقته بكل ماهو مفيد فقد كان عضوا اداريا في النقابة وفي جمعية المحافظة على القرآن وفي حزب جبهة العمل الاسلامي ولا يقصر في دعم اي جهد يخدم بلدة دير علا او لواءها ، لذلك كان على علاقة طيبة مع مجتمع دير علا المتنوع اصلا وثقافة وانتماءً سياسيا ، لقد كانت التزكية في الانتخابات هي سيدة الموقف في كل المجالات دون نظر الى انتماءات سياسية او حزبية .
رحم الله ابا احمد وجزاه الله خيرا عن كل ما قدم لوظيفته ولمجتمعه ، وعوضنا الله بأبنائه واحفاده خيرا .




