مقالات

عندما يصبح الظلم وجهة نظر

نشامى الاخباري _  محمد المحيسن

لا يمكن باي حال من الأحوال المفاصلة بين الظالم ومن يقبل الظلم فالأمر في كلا الحالتين مر.
ونظرا ان الظلم لم يعد حادثة استثنائية، الظلم عندنا لم يعد أزمة، بل زعم البعض انه من معالم الاستقرار. نستيقظ عليه كما نستيقظ على ازدحام الطرق، ونتعايش معه كما نتعايش مع ارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات. حتى إن المواطن العربي، لو استيقظ يوما ولم يجد ظلما، ربما ظن أن هناك خللا ما قد حدث.
هناك شعوب تخشى الظلم، وهناك شعوب اعتادت عليه إلى درجة أنها تنظر إلى العدالة وكأنها فكرة خيالية لا تصلح إلا في الخطب الرسمية وأفلام الأبيض والأسود.
في منطقتنا، لم يعد السؤال: هل وقع ظلم؟ بل: من صاحب الحظ السيئ الذي اكتشف أنه المظلوم؟
عندما يكون الخصم هو القاضي، أو يكون القانون قابلًا للتأويل بقدر قابلية الطقس للتغير، فلا تنتظر ميزان العدالة، انتظر فقط معرفة الجهة التي تحمل الاسم الأقوى.
المفارقة أن أكثر الناس دفاعا عن الظلم، هم أولئك الذين ذاقوه ويلاته طويلًا. فالإنسان عندما يعتاد الانحناء، يبدأ بالنظر إلى الوقوف باعتباره تصرفا متهورًا.
لهذا، لم يعد مستغربًا أن تسمع موظفا مظلومًا يدافع عن المدير الذي ظلمه، أو مواطنا يبرر قرارًا أضر به، أو مسؤولًا يشرح لك أن المشكلة ليست في النظام، بل في أنك لم تفهم “آلية العمل”. وكأن العدالة أصبحت تطبيقًا إلكترونيًا يحتاج إلى تحديث لم يصل إلى هاتفك بعد.
في كثير من المؤسسات، باتت الكفاءة تملك والحصول على وظيفة مرموقة عنصرا ثانويا في النجاح .
أما في الواقع، فالمطلوب شيء آخر تماما، أن تعرف متى تصفق، ولمن تصفق، وبأي سرعة.
أما صاحب الضمير، فيُكافأ غالبًا بجملة شهيرة: “أنت ممتاز… لكنك لا تعرف كيف تسوّق نفسك.”
عبارة تستحق أن تُسجل كإنجاز، فمن الغريب أن يتحول العمل إلى إعلان تجاري، وأن يصبح الموظف مطالبًا بتسويق نفسه أكثر من تسويق إنجازاته. ولو استمرت الأمور بهذا الاتجاه، فقد يصبح الوصف الوظيفي لأي منصب، “خبرة خمس سنوات، وإتقان برامج الحاسوب، ومهارة عالية في التصفيق عند الضرورة.
المشكلة ليست في وجود المتملقين؛ فهؤلاء موجودون في كل زمان. المشكلة عندما يصبح التملق مهارة، والاستقامة سذاجة، والاعتراض مغامرة غير محسوبة.
والأخطر من كل ذلك، هو صمت الذين يعرفون الحقيقة. فالصمت لا يوقف الظلم، بل يمنحه إجازة مفتوحة. وكل مرة يسكت فيها صاحب موقف، يحصل الظالم على شهادة حسن سلوك مجانية.
حتى الإعلام، الذي يُفترض أن يكون مرآة المجتمع، وقع أحيانًا في فخ تبديل الألوان حسب اتجاه الريح. لكن الرياح، كما علمتنا التجارب، لا تمنح ولاءً دائمًا لأحد. ومن اعتاد تغيير مواقفه كل صباح، قد يكتشف مساءً أنه فقد صورته في المرآة.
لقد تغير العالم كثيرًا، لكن شيئا واحدًا بقي ثابتًا: العدالة أقل كلفة من الظلم. فالظلم قد يمنح صاحبه انتصارا سريعًا، لكنه يترك فاتورة مؤجلة يدفعها الجميع، بمن فيهم من ظنوا أنهم بمنأى عن الحساب.
المؤسف أننا لم نعد نصاب بالصدمة كما في السابق. أصبح الخبر المؤلم يمر أمامنا على شاشة الهاتف بين إعلانين، فنضع إشارة إعجاب، أو وجهًا غاضبا، ثم ننتقل إلى فيديو طريف عن قطة تطارد ظلها او ببغاء تتحدث بعدة لغات.
وفي النهاية، لا تسقط المؤسسات عندما يقل المال، ولا عندما تكثر الأزمات، بل عندما يقتنع أصحاب الكفاءة أن الاجتهاد لا يكفي، وأن الطريق الأقصر يمر عبر باب المجاملة لا باب الإنجاز.
عندها، لا يعود السؤال المهم لماذا غابت العدالة، بل يصبح السؤال الأكثر إيلاما: هل لا زلنا مقتنعين ان الكفاءة هي معيار النجاح .
المصيبة ليس في ظلم الأشرار وتجاوزاتهم، بل احيانا تكون المصيبة الاكبر في صمت الاخيار الذين يعرفون الحق، ولكنهم يؤثرون السلامة .

اظهر المزيد
الداعمون:
Banner Example

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *