الخطاب الشعبوي في الحياة السياسية الأردنية: قراءة قانونية ودستورية في المفهوم والحدود والتأثير

نشامى الاخباري _ رغد بني عيسى
لم يعد “الخطاب الشعبوي” ظاهرة عابرة في المشهد السياسي الأردني، بل تحوّل إلى نمط خطابي ممتد يثير تساؤلات جوهرية حول حدوده الدستورية والقانونية، والمسافة الفاصلة بين حرية التعبير المحمية دستوريًا والانزلاق نحو التحريض وإقصاء الآخر.
وأمام تنامي هذا الخطاب وتعاظم تأثيره في الرأي العام، تبرز الحاجة إلى مقاربة قانونية تأصيلية تضبط مفهومه وتفكك تداعياته في ضوء الدستور والمواثيق الدولية والتشريعات الناظمة.
وأكد الباحث في القانون الدستوري والخبير في برامج المشاركة السياسية والتمكين السياسي، المحامي عُمر مهيدات، في تصريحاته الخاصة لـ”نشامى الإخباري” أن البيئة السياسية الأردنية تشهد، خلال العقد الأخير، تحولات جوهرية في أنماط الخطاب وأدواته، لا سيما في ظل توسع الفضاء الرقمي، وانطلاق مسارات التحديث السياسي التي أرستها التعديلات الدستورية المتعاقبة وحزمة قوانين منظومة الإصلاح السياسي.
وبيّن مهيدات، في خضم هذه التحولات، بروز نمط من الخطاب اصطلح على تسميته بـ”الخطاب الشعبوي”، مشيرًا إلى أنه تنامى حضوره في المنابر العامة والمنصات الإلكترونية، حتى غدا يستأثر بحيز ملحوظ من تفاعلات الرأي العام.
وشدّد على أن هذا الواقع بات يستوجب إخضاع هذا النمط الخطابي للفحص القانوني والدستوري، تأصيلًا للمفهوم وضبطًا لحدوده في ضوء التشريعات الناظمة للحرية السياسية والتعبير عن الرأي.
ووضع مهيدات تعريفًا جامعًا للخطاب الشعبوي، واصفًا إياه بأنه: “ذلك النمط من الخطاب السياسي الذي يقوم على ثنائية اختزالية حادّة، يُصطنع بمقتضاها انقسام بين كتلتين متخيّلتين: شعب نقي مظلوم، ونخبة فاسدة مستأثرة، ويدّعي قائلوه احتكار تمثيل الإرادة الشعبية تمثيلًا حصريًا، مع توظيف لغة عاطفية تستثير المخاوف الجمعية والإحباطات الاقتصادية والاجتماعية، وتُقدّم حلولًا تبسيطية لمسائل ذات طبيعة مُركّبة، وتعمد إلى التشكيك في شرعية المؤسسات الوسيطة كالأحزاب والبرلمانات والنقابات، تحت دعوى أنها تحول دون التعبير المباشر عن إرادة الشعب الحقيقية”.
وأضاف في تحليله أن هذا الخطاب ذو “طابع براغماتي” مرن، إذ يلبس لبوسًا أيديولوجيًا متعدد الأطياف، يمينيًا كان أم يساريًا، دينيًا أم علمانيًا، إلا أنه يتفق دومًا في جوهره المعادي للتعددية، والقائم على تضخيم الهوية وإقصاء المختلف.
وحذّر من أن خطورة هذا الخطاب تتعاظم من زاوية تأثيره في الرأي العام والمزاج الجمعي، موضحًا أن اعتماده المتواتر يُفضي إلى استقطاب أفقي وعمودي في النسيج المجتمعي، ويُسهم في إضعاف ثقافة التداول العقلاني للشأن العام لصالح ردود فعل انفعالية مشحونة، كما يُقوّض الثقة بالمؤسسات الدستورية والوسيطة، ويُفقد المواطن قدرته على التمييز بين النقد المشروع للسياسات العامة وبين التحريض المُلبّس بثوب المعارضة.
ولفت إلى أن استدامة هذا النمط الخطابي قد تُنتج بيئة سياسية متوترة، ينحسر فيها الفعل الحزبي المؤسسي والبرامجي لصالح الزعامات الفردية، ويتراجع فيها الخطاب القانوني والتنموي لصالح خطاب الهوية والتعبئة، فضلًا عن تأثيره السلبي في منسوب المشاركة السياسية الرشيدة، وما يستتبع ذلك من تشويه لبيئة الانتخابات والعمل النيابي والحزبي على حد سواء.
وانتقل مهيدات إلى التأطير الدستوري، موضحًا أن المشرّع الدستوري الأردني، وإن كفل في المادة (15) من الدستور حرية الرأي والتعبير والصحافة، إلا أنه قيّد ممارستها بأن تكون في حدود القانون، واصفًا هذا القيد بأنه “مشروع يستهدف صون النظام العام والآداب وحقوق الغير وحرياتهم”.
وأضاف أن المادة (16) كفلت حق تأليف الأحزاب السياسية شريطة أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور، مؤكدًا أن المادة (128) من الدستور تُكمّل هذا البناء بنصها على أن “القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات لا يجوز أن تؤثر في جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها”.
وأكد أن الخطاب الشعبوي يجد سقفه الدستوري في هذه القيود الناظمة، فلا يمتد إلى ما يهدد كيان الدولة أو يُخل بالوحدة الوطنية.
وذكّر الباحث الدستوري، على صعيد الالتزامات الدولية، بأن المملكة الأردنية الهاشمية طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966، والذي كفلت المادة (19) منه حرية التعبير، إلا أنها أوجبت في فقرتها الثالثة قيودًا لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم، ولحماية الأمن القومي والنظام العام والصحة العامة والآداب.
وشدّد على أن المادة (20) من العهد ذاته ألزمت الدول الأطراف بحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف، معتبرًا أن هذا النص يُلقي على الدولة التزامًا قانونيًا دوليًا بضبط الخطاب الشعبوي حين ينحرف نحو خطاب الكراهية، منوهًا إلى أن هذا الالتزام اكتسب قوة الإلزام الداخلي بعد مصادقة المملكة على العهد ونشره في الجريدة الرسمية عام 2006.
وبيّن مهيدات، في تحليله للتشريعات الناظمة للعمل الحزبي، أن قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022 وتعديلاته وضع جملة من الضوابط ذات الصلة المباشرة بضبط الخطاب السياسي.
وأوضح أن القانون اشترط التزام الحزب وأعضائه بأحكام الدستور وسيادة القانون والنهج الديمقراطي، وحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو طائفي أو عرقي أو فئوي أو جهوي، كما حظر أي نشاط يخل بالوحدة الوطنية، أو يحرّض على العنف أو الكراهية، أو ينطوي على إساءة لمؤسسات الدولة أو لرموزها الدستورية.
وأشار إلى أن هذه القيود تستتبع، عند تجاوزها، جزاءات قانونية تتدرج من الإنذار والتوقف عن النشاط إلى الحل القضائي للحزب وفقًا للإجراءات المنصوص عليها في القانون، مؤكدًا أن ذلك يجعل ممارسة الخطاب الشعبوي داخل المنظومة الحزبية مضبوطة بسقف تشريعي صريح.
وتناول مهيدات قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، مبيّنًا أنه تضمّن جملة من النصوص التي تتقاطع مع تجاوزات الخطاب الشعبوي حين يتحول إلى فعل مُجرّم. وأبرز من بينها المواد (149) و(150) المتعلقة بإثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين عناصر الأمة، إضافة إلى المادة (191) وما يليها بشأن الذم والقدح والتحقير الواقع على الموظفين العموميين والهيئات الرسمية.
ولفت إلى أن قسمًا واسعًا من هذا الخطاب بات يجد متنفسه في الفضاء الإلكتروني، مؤكدًا أن قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 يُعد المرجع التشريعي الأبرز في هذا الشأن.
وأوضح أن القانون جرّم في مواده (15) و(16) و(17) ومتعلقاتها أفعال نشر الأخبار الكاذبة، وإثارة الفتنة والنعرات، والتحريض على الكراهية والعنف، واغتيال الشخصية، وذم الجهات الرسمية عبر الشبكة المعلوماتية، ورتّب على ارتكابها عقوبات مشددة تجمع بين الحبس والغرامة.
وأشار مهيدات إلى أن هذا الإطار تُكمّله تشريعات أخرى، من بينها قانون المطبوعات والنشر رقم (8) لسنة 1998 وتعديلاته فيما يتعلق بالنشر في المطبوعات الدورية والمواقع الإلكترونية الإخبارية، وقانون الاتصالات رقم (13) لسنة 1995 فيما يخص استخدام وسائل الاتصال على نحو يُخل بالنظام العام أو الآداب أو يضر بالآخرين. ووصف هذه المنظومة بأنها تشريعات متكاملة تُحكم الطوق على الانحرافات الجسيمة في الخطاب العام دون المساس بجوهر حرية التعبير.
وأكد مهيدات أن الخطاب الشعبوي، وإن كان يستظل بمظلة حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريًا، إلا أنه لا يُعد خطابًا منفلتًا من القيود القانونية، بل تحكمه منظومة من الضوابط الدستورية والتشريعية التي ترسم حدًا فاصلًا بين الممارسة المشروعة للنقد السياسي والمعارضة، وبين الانزلاق نحو التحريض وخطابات الكراهية والمساس بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية.
ودعا إلى تبنّي نهج تكاملي في مواجهة الآثار السلبية لهذا الخطاب، لا يقتصر على تفعيل النصوص الجزائية بمعزل عن غيرها، وإنما يقوم على تعزيز الثقافة القانونية والسياسية لدى المواطنين، وتمكين المؤسسات الحزبية والإعلامية من أداء دورها الوسيط بمسؤولية ورشد، وترسيخ مبادئ الحوار العام القائم على المساءلة والشفافية، بما يحفظ التوازن الدقيق بين كفالة الحريات بوصفها ركيزة للنظام الديمقراطي، وصون النظام العام والوحدة الوطنية باعتبارهما شرطًا لاستدامته.
واختتم مهيدات حديثه بالتشديد على أن مواجهة الشعبوية لا تكون عبر تقييد الحريات، بل من خلال بناء وعي سياسي وقانوني رصين، وتعزيز الخطاب المسؤول القائم على احترام الدستور وثوابت الدولة ومصلحة المجتمع.




